الأسرار
قال الذين هم الناس بالحقّ والحقيقة : إنّ الناس بأعيانهم قد يحصل فيهم التضادّ والترتّب والعموم والخصوص فكذلك في إطلاق لفظ الناس قد يكون على الأخيار مطلقا كقوله تعالى :
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ
فيهم ناس مخصوصون وفيهم الناس المحسودون على ما آتاهم اللّه من فضله ؛ وكقوله :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ
فلا يعرف نفسه إلّا بالناس الأخيار ؛ وقد يكون على الأشرار مطلقا كقوله :
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
وكقوله :
مِنَ الْجِنَّةِ
فالناس وقرين الشياطين الموسوسين لا يكونون إلّا أشرارا ، وقد يكون على الأوساط الذين يقبلون الخير والشرّ كقوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
إلى غير ذلك ؛ والعموم والخصوص فيه أنّه يراد به جميع الناس ويراد به بعضهم ؛ وبالجملة :
المكلّفون بالإفاضة ناس ، والناس الذين يفيضون حتّى يفيض الناس على أثرهم ناس آخرون . وقال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « الناس اثنان عالم ومتعلّم وسائر الناس همج ، لا خير فيهم » 92 وقال أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق - عليه السلام - : « نحن الناس وشيعتنا أشباه الناس وسائر الناس نسناس . » 93 وبالجملة الوقوف لا يتمّ إلّا بتقديم رجل ، والإفاضة لا تتمّ إلّا بتقديم رجل ، ولا يزال الناس بخير ما تفاوتوا ؛ فإذا استووا هلكوا ، ومعناه ( 335 ب ) أنّ الوجود لا يكون إلّا حيث الترتّب والتفاضل من بين المؤدّي والقابل والعالم والمتعلّم ؛ وحيث يكون التساوي فثمّ الهلاك والعدم .
وسرّ آخر : في ذكر اللّه في المشعر الحرام ، واذكروه كما هداكم . الذكر قد يكون باللسان بالتحميد والثناء ؛ والذكر قد يكون بالقلب وهو أن يذكر شيئا قد نسيه ؛ والناس قد فطروا على المعرفة فأنساهم الشيطان ذكر الفطرة ؛ فردّهم اللّه تعالى بهداية الأنبياء إلى الفطرة .
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ .
وكما هداكم إلى الفطرة بتوسّط الأنبياء - عليهم السلام -
فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
بتوسّط الأولياء - عليهم السلام - فإنّ المشعر الحرام تلو عرفات ، كما أنّ الوليّ تلو النبيّ والولاية تلو النبوّة ؛ ولمّا كان عرفات تضاهي النبوّة فالمشعر الحرام أيضا هي الولاية ، وذكر اللّه على الهداية بهما وعندهما على وتيرة واحدة .
وسرّ آخر : في المبيت بالمزدلفة ، والجمع بين صلاتي الظهر والعصر بعرفات ، والجمع