أبو عليّ : بل لا يمتنع أن يكون في الموضعين بمعنى الجزاء ، والتقدير هاهنا : الذي فيه القرآن من هذه الشهور التي يسمّى الواحد منها رمضان ؛ فمن شهده فليصمه ، والشهود الحضور والإدراك ؛ ومفعول شهد محذوف ومعناه فمن شهد منكم بلده أو بيته ؛ وانتصاب الشهر على الظرف أي في الشهر .
وقال بعض أهل المعاني « 1 » : لا بدّ من إضمار حال الشاهد وصفته التي بوجودها يجب الصوم ، أي فمن شهد منكم الشهر عاقلا بالغا مقيما صحيحا فليصمه ؛ ومن كان مريضا أو على سفر فهو بالخيار على قول الفريقين ؛ وقال النخعي والسدّي : إذا شهد الشهر في أوّله وجب عليه الصوم إلى آخره ، ولا يحلّ له الإفطار إن مرض أو سافر في خلال الشهر .
وقوله :
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .
قال أهل المعاني :
إنّما أعادها هنا تخيير المريض والمسافر بين الصوم والإفطار ؛ لأنّه ذكر في الآية الأولى تخيير المقيمين المرضى والمسافرين بين الصوم والإفطار ، ثمّ نسخ في الثانية تخيير المقيمين بقوله فليصمه ، وأعاد ترخيص المرضى والمسافرين ليعلم أنّه محكم باق على ما كان ؛ وقيل : المعنى في الأوّل إعلام جواز القضاء وتركه إلى الفدية ؛ وفي الثاني حتم القضاء وأن لا رخصة له في تركه إلى الفدية ؛ وهذا قريب من قول النسخ ؛ وقوله :
أَوْ عَلى سَفَرٍ
عطف على المريض ، أي فمن كان منكم مريضا أو مسافرا ؛ وقوله :
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
قال أهل المعاني : معناه فأفطر فعليه عدّة من أيّام أخر عدد ما أفطر يوما بيوم .
الفقه
واختلف الفقهاء في المرض الذي يرخّص الإفطار ، فمذهب الشافعي أنّه المرض الذي يشقّ معه الصوم مشقّة غير محتملة ، ولو خاف أن تشتدّ حمّاه أو وجعه فله أن يفطر ؛ وقال الحسن : إذا لم يستطع أن يصلّي قائما أفطر ؛ وقال ابن سيرين : كلّ ما ينطلق عليه اسم المرض فهو مبيح للإفطار ؛ وأمّا السفر المبيح للإفطار فهو مسيرة يومين ستّة عشر فرسخا على مذهب الشافعي ( رض ) ومسيرة ثلاثة أيّام على مذهب أبي حنيفة ( رحمه ) ؛ وقال
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .