وسرّ آخر : لمّا كان تنزيل الصحف والكتب كلّها في شهر رمضان كما روينا من الخبر أوجب صيام الشهر وجعل ساعات نهاره ظروف ( 312 ب ) الصيام ؛ والصوم عبارة عن الإمساك لغة ، وعن الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع تبييت النيّة فيه شرعا ، وإذا نزلت الكلمات من عالمها مفتوحة لها أبواب السماوات وجب على من ينالها بالقبول إغلاق أبواب الجسد ؛ إذ الأغذية السماوية مخصوصة بالأرواح والنفوس كما كانت الأغذية الأرضية مخصوصة بالأجساد والقوالب ؛ وحيثما كانت الأغذية الأمرية السماوية نازلة وجب الإمساك عن الأغذية الأرضية الخلقية :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
لتكون جميع أجزاء الزمان فيه عبادات وجميع أعضاء الإنسان فيه عابدات .
وأمّا السرّ في قوله تعالى وصفا للقرآن :
هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
فهاهنا ثلاث صفات : الهدى ، والبيّنات ، والفرقان ؛ والهدى طريق قويم وصراط مستقيم لا عوج فيه ولا ريب ؛ وكلّ طريق هذا صفته فعليه علامات ومناظر ومشاعر ، وفيه مفارق عن سائر الطرق ؛ فالقرآن بجملته هو الصراط المستقيم :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ
فمن كان في قلبه زيغ لم يبصر استقامته ، والبراهين اللائحة والحجج الواضحة فيه بيّنات من الهدى ، والمفارق بين الحقّ والباطل والحلال والحرام والصدق والكذب فيه هو الفرقان .
ومن وجه آخر : لمّا كانت الموجودات كلّها على التضادّ والترتّب وفي القرآن بيان المتضادّات والمترتّبات وكلّ ما فيه من قصص الأنبياء المحقّين وحال خصمائهم المبطلين فهو من قبيل المتضادّات ؛ فلا بدّ من فارق وفرقان وكلّ ما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ والإنذارات فهو من قبيل المترتّبات فلا بدّ من مبيّن وبيّنات .
ومن وجه آخر : الهدى والبيّنات والفرقان إذا حملت على صفات القرآن فهي المعاني التي اشتمل عليها القرآن ؛ وإذا شخصت في الصور فهي الأشخاص الثلاثة التي فيها تلك المعاني مشخّصة معيّنة . فالهدى هو الهادي الأوّل ، والبيّنة هو المبيّن الثاني ؛ والفرقان هو الفارق الثالث ؛ ولا تستبعد أمثال هذه المحامل وأنت تقرأ من كتاب اللّه :
حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ
( 313 آ ) وهو بدل ، والبدل يقوم مقام المبدل ، وكذلك قوله :
قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا
وأمثال ذلك كثير .