بصواب كأنّك شيطان لا إنسان ؟ فحرّم أكل الدم المعقود وشرب الدم المسفوح لئلّا يستولي عليك الشيطان ؛ وإنّ الشيطان ليجري في بني آدم مجرى الدم ، وأوجب سفح الدم من أوداج الحيوان لئلّا تبقى عينه في لحمه ، ويبقى لحمه نقيا من مجرى الشيطان ؛ فالميتة ما بقي فيها دمه غير مسفوح ، والدم ما كان منه مسفوحا محرّم على الإنسان ، ولهذا عقّب الميتة بذكر الدم .
ولمّا كان لحم الخنزير مثار القوّة الشهويّة وهي من خواصّ الشيطنة أيضا . ألا ترى المسيح - عليه السلام - أحلّها لبني إسرائيل من الروم لسقوط شهوتهم وقلّة قوّتهم ؛ فيرفعهم عن درجة الانحطاط إلى درجة الاعتدال ، وكان قليل الحاجة في دعوته إلى الشدّة في القوّة ؛ فما كان يدعو بالسيف ولا يحمل الناس على الإيمان بالجهاد . ألا ترى المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله - حرّمها على أمته لغلبة شهوتهم وكثرة قوّتهم ؛ فلا يرفعهم ذلك عن درجة الاعتدال إلى درجة الإفراط ، وكان كثير الحاجة في دعوته إلى الشدّة والقوّة ؛ إذ كان يدعو الناس بالسيف ، ويحملهم على الإيمان بالجهاد ، ولو كان في الخنزير خير وفي لحمه طيب لما خاطب المسيح - عليه السلام - جماعة من اليهود : يا أولاد الأفاعي يا جبّار والغياظ ، فجاء التحليل ثمّ لعارض ، كما جاء الحلّ في الخمر قبل الإسلام لعارض ؛ فزال العارض ورجع كلّ مطعوم ومشروب إلى أصله وكيانه .
ومن تأمّل المحرّمات في الشرع وجد الحكمة البالغة في تحريمها ، وعلم أنّ الطيّبات من الأرزاق للطيّبين بالأخلاق ، والخبيثات منها للخبيثين في الأعراق ، والحمد للّه على مثل هذه الأرزاق من العلوم ، ولأوليائه المنّة على الخصوص والعموم .
قوله - جلّ وعزّ - :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 174 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 )
النظم
لمّا أبان الربّ تعالى الحلال والحرام في الآيات السالفة توعّد بعد ذلك على من كتمها