وقوله :
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
أي من أكل ذلك ولم يكن باغيا ولا عاديا فلا حرج عليه .
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
بإثبات الرخص على عباده .
الأسرار
قال العارفون بالعزائم والرخص في الكتاب والسنّة المحلّون حلاله والمحرّمون حرامه :
إنّ الآيات السابقة سيقت لبيان ما أحلّ اللّه - عزّ وجلّ - وهم قد حرّموها بآرائهم وهذه الآية عقيبها سيقت لبيان ما حرّم اللّه وهم قد حلّلوها بآرائهم ، وقد دلّت كلمة
« إِنَّما »
على حصر المحرّمات عند اللّه والمحلّات عند القوم ، وكما حصر المحلّات التي حرّموها على أنفسهم في أربعة : البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كذلك حصر المحرّمات التي أحلّوها لأنفسهم في أربعة : الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهّل لغير اللّه به ؛ فلا تلك المحرّمات حرام عند اللّه :
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ
ولا هذه المحلّلات حلال عند اللّه :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
وبقيت المحرّمات والمحلّلات الأخر في سائر الأشياء على ما دلّ عليه الكتاب والسنّة .
ومن وجه آخر : أنّه لمّا أمر المؤمنين بأكل الطيّبات والشكر عليها في الآية السابقة حصر الخبيثات في هذه المأكولات التي ذكر عقيبها من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ به لغير اللّه ؛ فالبحائر والسوائب من الطيّبات في أنفسها طباعا وقد أحلّها اللّه تعالى ، وهذه الأربعة من الخبائث في أنفسها طباعا وقد حرّمها اللّه تعالى ، فقد أصابت كلمة الحصر موضعها وهو على الفرق بين الحلال والطيب .
وسرّ آخر : ألطف ممّا سبق ، أنّ لكلّ واحدة من هذه الخبائث في الخلقيات وراءها في الأمريات ؛ وكما أنّ الميتة في الحيوان ما مات حتف أنفه من غير ذبح وكذلك ما أهلّ به لغير اللّه ما ذبح على اسم الأصنام ، وإنّما حلّ للإنسان ما يحلّ من الحيوان لترتقي نفسه الحيوانية ( 297 آ ) من درجتها إلى الدرجة الإنسانية ، وكان مسبّحا تسبيح الحيوان ، فيصير مسبّحا تسبيح الإنسان ، والميتة خرجت نفسها من غير تصرّف الإنسان أو تصرّف على جهة الأمر ، وما أهلّ به لغير اللّه خرجت نفسها بتصريف الإنسان ولكن لا على اسم الرحمن أو اسم على