وسرّ آخر : أنّ اللّه تعالى أخبر عن سرّ قلوب اليهود أنّهم يودّون لو يردّونكم على أعقابكم كفّارا حسدا وعنادا ، وأمر المؤمنين بمكارم الأخلاق عفوا وصفحا ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، ثمّ جمع ذلك كلّه في الإسلام والإحسان ؛ والإسلام في تفسير النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - شهادة أن لا إله إلّا اللّه وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، كما ورد في الخبر ؛ والإحسان بظاهره مشعر بالعفو والصفح ، وبباطنه أن تعبد اللّه كأنّك تراه ؛ فإن لم تكن تراه فإنّه يراك .
فسرّ قلوب اليهود الحسد والعناد ، وسرّ قلوب المؤمنين العفو والصفح والإسلام والإحسان ، وهم يودّون ارتداد المؤمنين كفّارا ، والمؤمنون ( 227 آ ) يودّون ارتجاع اليهود مسلمين ؛ والأمر بالعفو والصفح من أحكام المستأنف حتّى يبدو حكم المفروغ ، وإليه يشير قوله :
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ؛ *
والإسلام من أحكام المستأنف ، والإحسان من أحكام المفروغ ، هو أن تعبد اللّه كأنّك تراه ؛ فيصير الغيب شهادة والسرّ علنا والمخفي ظاهرا والخبر عيانا ،
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . *
وسرّ آخر : كما أنّ من أقرّ بالتوحيد ولم يقرّ بالنبوّة ، أعني من قال : لا إله إلّا اللّه ولم يقل :
محمّد رسول اللّه ، فقد ارتدّ على عقبه كافرا ولم ينفعه إقراره بالتوحيد ، كذلك من أقرّ بالنبوّة وقال : محمّد رسول اللّه ولم يقر بشريعته ووصيّته بعده فقد ارتدّ على عقبه كافرا ، وكذلك قال اللّه تعالى :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ؛
ولذلك سمّوا مانعي الزكاة بعده - عليه وآله السلام - أهل الردّة ، وكذلك من اعترض على النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - في حكم من أحكامه وأنكر أمرا من أوامره فقد ارتدّ على عقبيه كافرا ؛ ولمّا كان اليهود يعلّمون المؤمنين الاعتراض على حركات الرسول - عليه السلام - وإيراد السؤال عليه كانوا يودّون لو يردّون المؤمنين كفّارا حسدا وعنادا ، وحكم من اعترض على من فوقه في العلم والدين إنكارا عليه وعنادا له كذلك .