الملكين ببابل ؛ وموضع « ما » هاهنا جرّ ؛ فهو معطوف بالواو ( 212 آ ) على ملك سليمان .
وأمّا بابل فقال ابن مسعود والحسن : إنّه بابل العراق وهي أرض الكوفة وسوادها سمّيت بابل لتبلبل ألسنتها عند سقوط صرح نمرود ؛ وقال قتادة : إنّها من نصيبين إلى رأس العين ؛ وقيل : إنّها جبل دنباوند في وهدة من الأرض .
وبابل لا ينصرف ؛ لأنّه اسم موضع معروف ، وهاروت وماروت اسمان سريانيان وهما في محلّ الخفض على تفسير الملكين وبدلا عنهما ؛ وقد قيل « 1 » : إنّ هاروت من الهرت وهو كثرة الكلام في الهذر ، وماروت من المرت وهي الصفا من الصخرة ، ومنه المروة ؛ وعلى هذا يكون المعنى إنّهما شخصان أحدهما مهذار والثاني فدم ، وتحته سرّ نذكره إن شاء اللّه .
وقوله :
ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ
وأحد يقع على الواحد وما فوقه ، ومعنى الكلام ومن أتاهما متعلّما من الإنس والجنّ فما يعلّمانه
حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ
أي محنة وبليّة الخلق ؛ فلا تكفر أنت بما آتاك اللّه من فضله ؛ فترتكب المعصية وتعمل السحر وتتعلّمه للعمل ؛ فيأبون إلّا التعلّم ؛ فيتعلّمون منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه . فمن قال : إنّهما مؤمنان من بني آدم فالمعنى فلا تجترئ على السحر ، فتكفر ؛ ومن قال : هما كافران معذّبان فسبيل قولهما : لا تكفر ؛ سبيل قول الفاسق لمن سلك سبيله : ويلك ما ترجو ممّا نحن فيه من البلاء ، إنّما نحن بليّة فلا تصحبني ؛ ومن قال : إنّهما شيطانان ، فالمعنى فلا تكفر بما جئناك به ، بل صدّقه واعمل عليه ، ومن قال : إنّهما ملكان قد اختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة قال : إنّهما ينصحان السائل ، فيحذّرانه السحر ويمنعانه من الكفر ، وعليه عامّة المفسّرين ؛ وقد قيل : إنّ السحر ضربان : أحدهما أسماء اللّه تعالى وأقسام يتأتّى استعمالها في الخير والشرّ ؛ فكانا يحذّران من قصدهما للتعلّم أن لا يستعملا هذا إلّا في الخير ؛ والضرب الآخر هو عقود ومواثيق لإبليس وجنوده ، وفيه تعظيمه على أقصى ما يتصوّر ؛ والسحر معناه الخفاء ، « 2 » وسمّي السحر لخفاء سببه ، ومنه سحر الليل ؛ والسحر الرنة ، والسحر بمعنى صرف الشيء عن وجهه بالتمويه والتخييل ، كما قال تعالى :
سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ
وقال :
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ ؛
وقد قيل : إنّ السحر قد يكون في الخيال وقد يكون في الأعيان كما في الخيال .
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : المعنى والتفسير .
( 2 ) . في الهامش عنوان : اللغة .