بما عملوا ؛ فيجازيهم عليه في الدنيا والآخرة ؛ وامتناعهم في التمنّي المدعوّ إليه مع اقتدارهم عليه لأحد أمرين :
أحدهما : أنّهم عرفوا صدقه - صلّى اللّه عليه وآله - وعرفوا أنّهم لو تمنّوه لماتوا في الحال ، فلم يتمنّوه .
والثاني : أنّ اللّه تعالى منعهم عن هذا التمنّي على طريق صرف الدواعي ، وهو أيضا معجزة خارقة للعادة .
والوجهان ضعيفان بما نصّ عليه القرآن من التعليل بوجهين آخرين : فقال تعالى :
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
أي قد عرفوا من أنفسهم المعاصي والكفران ، وهم على يقين من ذلك ، وعلى شكّ من قولهم : نحن أهل الجنّة ولن يدخل الجنّة إلّا من كان هودا ؛ والثاني : أنّ اللّه تعالى بيّن حرصهم على حبّ الدنيا والمال في الآية الثانية ، ومن كان شديد الحرص على العاجلة كيف يتمنّى الآجلة ؛ وقد روى ابن عبّاس عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال : « لو تمنّوا الموت لغصّ كلّ إنسان بريقه وما بقي يهودي على وجه الأرض » 564 وروى عكرمة عن ابن عبّاس أنّه فسّر التمنّي بالدعاء والسؤال ، أي ادعوا بالموت على أكذب الفريقين منّا ومنكم ، ثمّ قال ابن عباس : لو تمنّوا الموت لماتوا ولو خرج الذين يباهلون النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا .
وقال بعض أهل المعاني : « 1 » التمنّي من قبل القول ، ثمّ هذا الحكم كان خاصّا باليهود الذين عاصروا النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - وجحدوا نبوّته بعد أن عرفوه . روى أسامة بن زيد عن نافع قال : جلس إلينا يهودي يخاصمنا يقول : إنّ في قرآنكم : ولن يتمنّوه أبدا ، فأنا ذا أتمنّى الموت فما لي لا أموت ؟ فسمع ذلك ابن عمر فدخل بيته واشتمل على السيف ثمّ خرج ، ففرّ اليهودي . فقال ابن عمر : أما واللّه لو أدركته لضربت عنقه . قال القفّال : كان هذا الجاهل توهّم أنّ هذا الحكم لليهود في كلّ وقت ( 204 آ ) وإنّما هو لأولئك الذين كانوا يجحدون نبوّته بعد أن عرفوه ، وكان هذا خاصّا في الذين خوطبوا بقوله :
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ . *
وقوله :
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً
معناه ما عاشوا كقول القائل لغيره : لا أكلّمك أبدا . وحكى
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .