[ عودة إلى التفسير ]
قوله - جلّ وعزّ - : « 1 »
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً ،
إنّ الجنّة لمّا كانت دار طهارة وقدس لم تحتمل التلوّث بالزلّات ؛ فلا يصل إليها من لم يتطهّر من الذنوب والعيوب ، كذلك لا يقيم فيها من تلوّث بأدنى ذنب من الذنوب ، فقال تعالى :
اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً
ولم يكن ذلك إهانة وعقوبة لآدم ، بل تأديبا وزجرا ، ولا كان تأديبا وزجرا للّعين الأوّل ، بل عقوبة وإهانة .
والهبوط : النزول من علوّ إلى سفل ، « 2 » وضدّه الصعود ؛ وقيل : الهبوط يطلق على السقوط من درجة إلى درجة وعلى الدخول أيضا ، كما قال تعالى :
اهْبِطُوا مِصْراً
وقد كانت أرض مصر أسفل من أرض الشام ، والمأمورون بالهبوط آدم وحوّاء وإبليس والحيّة على قول ابن عبّاس والسدّي وأبي مالك ورواية مرّة عن ابن مسعود ، قالوا : ولعنت الحيّة ، وغيّرت صورتها ، وسلبت قوائمها ؛ فهي تمشي على بطنها ، وجعل رزقها التراب ؛ وهو قول الكلبي والضحّاك ؛ وقال مجاهد : الخطاب لآدم وإبليس والحيّة ؛ وقال مقاتل : الخطاب لآدم وحوّاء وإبليس ، وروى عطاء عن ابن عبّاس : الخطاب لآدم وحوّاء ، والعرب قد تخاطب الاثنين بلفظ الجمع ، كما قال في داود وسليمان - عليهما السلام -
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ؛
وقال الزجّاج : « 3 » إنّ إبليس أهبط أوّلا كما قال :
فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ . *
ثمّ أهبط بعده آدم وحوّاء ، كما قال :
اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً .
ثمّ جمع الخبر للنبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - قال لإبليس :
اهبط منها وقال لآدم وحوّاء :
اهْبِطا مِنْها
وقال للكلّ : اهبطوا منها ؛ وقال الفرّاء : يجوز أن يكون الخطاب لآدم وحوّاء وذرّيّتهما ؛ والأمر لمّا اشتمل على الذّرّية جمع ( 127 ب ) كما قال :
ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ؛
لأنّ السماء مشتملة على من فيها من الخلائق ؛ والعدد قد يستعمل في الواحد والاثنين والجمع ، « 4 » وهذا إذا جعلته اسما ومصدرا ، وأمّا إذا جعلته نعتا محضا ثنيت وجمعت وأنّثت .
قال مجاهد :
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
« 5 » يعني آدم وإبليس والحيّة ذرّيّة بعضهم أعداء بعض ؛ إذ لا عداوة بين آدم وحوّاء ، وهما زوجان ولا عداوة بين إبليس والحيّة وهما زوجان ؛
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : النظم .
( 2 ) . في الهامش عنوان : اللغة .
( 3 ) . في الهامش عنوان : المعاني .
( 4 ) . في الهامش عنوان : اللغة .
( 5 ) . في الهامش عنوان : التفسير .