العرب وتوسّعاتهم في العبارات بل كلام كلّ صنف من أصناف الإنسان لم يتحيّر في التفسير هذا التحيّر ، بل يجب أن يراعي جانب المتكلّم وجانب ما عليه الكلام وجانب الأمر في الكلام ؛ فيحمل كلّ لفظ على موضوعه من غير تأويل ، لكن بشرط رعاية الجوانب ؛ فإنّ من قال : بنى البنّاء دارا وبنى الأمير دارا ، لم يشكّ أنّ البناء بالإضافة إليه هو مباشرة الفعل ، وبالإضافة إلى الأمير هو الأمر ؛ وكذلك قول الأوائل : استوى أمر فلان وكلامه وحاله ؛ فالاستواء هاهنا لا يكون استقرارا ، بل لو قال : استقرّ كلامه لم يكن بمعنى الجلوس والاختصاص بالجهة ؛ فما بالهم خبطوا هذا الخبط ، وهلّا قالوا : استوى إلى السماء أمرا وتسوية ، واستوى على العرش أمرا وتدبيرا . ثمّ لو تدبّرت كلّ آية متشابهة وجدت معها ما يزيل الاشتباه ، كقوله :
اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
وقوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً ؛
فيكون الاستواء إليها قولا وأمرا : ائتيا طوعا أو كرها .
كذلك قوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ .
قال المفسّرون : « 1 » أي خلقهنّ سبع سماوات بلا فطور ولا صدوع ولا عمد تحتها ولا علاقة فوقها . قال : جعل بعضها فوق بعض ، وجعل الأرض بعضها تحت بعض ، والتسوية جعل الشيء مستويا ، يقال : سوّاه فاستوى ؛ فالمعنى جعلهنّ مستويات الأجزاء ؛ ويجوز أن يكون المعنى بناهنّ وصنعهنّ ؛ والسماء واحد في اللفظ وهو في معنى الجمع ؛ فلذلك قال :
فسوّاهن ، وجمع السماء سماوات .
وقال بعضهم « 2 » : السماء جمع ، والسماوات جمع الجمع ، والسماوة واحدتها ، قاله الأخفش ؛ وقال الزجّاج : واحدتها سماءة .
روى أبو ذر عن النبيّ « 3 » - صلّى اللّه عليه وآله - أنّه قال : « ما بين السماء الدنيا مسيرة خمس مائة عام ، وغلظ كلّ سماء خمس مائة عام ، وما بين سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة عام ، وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل ( 105 آ ) جميع ذلك » . 491
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير .
( 2 ) . في الهامش عنوان : اللغة .
( 3 ) . في الهامش عنوان : الخبر .