إشارة إلى النوع في حكم شخص واحد ؛ فلا ينبغي أن يغفل عن العموم والخصوص في هذا الموضع وأنّ اللّه تعالى خلق العالم لأجل شخص واحد ، وفي حقّه قال : « لولاك لما خلقت الكون . »
وسرّ آخر : أنّه ذكر العلّة الكمالية فيما خلق في الأرض ، وذكر العلّة المادّية في خلق السماء ، وذكر العلّة الفاعلية ( 106 آ ) في الخلق والتسوية ، وذكر العلّة الصورية في جميع ما خلق وسوّى . فقوله :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
إشارة إلى العلّة الكمالية ؛ وقوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
إشارة إلى العلّة المادّية ، وقوله :
فَسَوَّاهُنَّ
إشارة إلى العلّة الفاعلية ، وقوله :
سَبْعَ سَماواتٍ
إشارة إلى العلّة الصورية . فجميع ما ذكر في كتب الفلاسفة من الحكمة فهو مذكور في هذه الكلمات وغاية الغايات وهو بكلّ شيء عليم .
وسرّ آخر : أنّ الخلق والتسوية مقترنان في جميع القرآن كما أنّ الهداية والتقدير مقترنان .
قال تعالى :
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى .
وقال :
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ
وهاهنا قال :
خَلَقَ لَكُمْ
ثمّ قال :
فَسَوَّاهُنَّ ؛
فخصّ الخلق بما في الأرض ، وخصّ التسوية بالسماء ؛ والخلق أصله التقدير في اللغة ؛ فنسبة التسوية إلى الخلق كنسبة الهداية إلى التقدير ، وربّما يكون الخلق سابقا على التقدير :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ،
وربّما يكون القدر سابقا على الخلق :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ .
وبالفارسية : الخلق : « آفريدن » ، الخلق : « ساختن » ، الخلق : « فرا ساختن » . فالأوّل إشارة إلى الإيجاد والإبداع ، وربّما يستدعي ذلك مادّة وزمانا ، وربّما لا يستدعي . فالذي لا يستدعي مادّة منها خلق هو إبداع محض ، كإبداع القلم واللوح أو إبداع العقل الأوّل ؛ فلا يستدعي شيئا سبق وجوده منه خلق ، وإنّما السابق عليه أمر البارئ تعالى ، لا على أنّه مادّة له ولا أنّه في زمان معه ؛ وأمّا إبداع النفس أو الروح فلا يستدعي أيضا مادّة منها خلق ، لكنّه يستدعي زمانا هو الدهر ؛ إذ خلق بعد العقل ، والذي يستدعي زمانا ومادّة فهو سائر الموجودات كالأرض من زبد الماء ، والسماء من دخان الماء ، والماء من الجوهر الأوّل الذي نظر إليها نظر الهيبة ، فأذابها « 1 » ؛ وذلك هو العنصر الأوّل ؛ وما روي أنّ أوّل ما خلق اللّه تعالى
هامش
( 1 ) . في الأصل : فذابها .