وأمّا « الحقّ » فهو الصواب ؛ وسمّي حقّا « 1 » لوجوبه ووقوعه في موقعه ووضوحه عند الكلّ ؛ والحقّ في الأقوال : الصدق ، وفي الأفعال : الخير .
وقوله :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
« 2 » يجوز أن يكون هذا من تمام قول اليهود كأنّهم قالوا : ماذا أراد اللّه بمثل لا يعرفه كلّ أحد يضلّ به هذا ويهدي ( 97 آ ) به هذا . قال اللّه تعالى مجيبا :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ؛
وهذا القول ضعيف ويحتمل أنّه انقطع قول اليهود عند قوله مثلا ، وابتدأ الكلام من قوله :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً
أي أراد بذلك إضلال قوم وهداية آخرين . ثمّ قال :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
أي بضرب ذلك المثل إلّا اليهود الذين ينقضون عهد اللّه ؛ وهذا قول الكلبي ومقاتل .
قال مجاهد : يؤمن به المؤمنون ؛ فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم ؛ فيهديهم اللّه ويضلّ به الفاسقين ؛ وقال الربيع والسدّي : هم المنافقون في هذه الآية . قال قتادة والحسن : فسقوا ، فأضلّهم اللّه .
والفسق أصله الخروج ؛ « 3 » ففسق عن أمر ربّه ، أي خرج عن طاعته ؛ والكافر يسمّى فاسقا مطلقا ؛ لأنّه خرج عن الطاعة من كلّ وجه ؛ وقد يسمّى المنافق فاسقا لخروجه عن الإسلام بعد دخوله فيه ؛ وقد يسمّى صاحب الكبيرة فاسقا لخروجه عن طاعة اللّه في بعض أوامره .
ثمّ إنّ الإضلال قد ورد في اللغة على وجوه : « 4 »
أحدها : فعل الضلال بالغير ؛ فيقال : أضللت فلانا ، أي فعلت به الضلال ، كما يقال : أكرمته ؛ وعلى هذا المعنى فعل الضلال لا يكون من اللّه تعالى عند القدرية ، وفعل الضلال لا يكون إلّا من اللّه تعالى عند المجبّرة ، وعليه يحمل قوله تعالى :
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ
وقوله :
يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ .
ثمّ المراد بالإضلال إضلال السبيل - قال الأزهري : الأصل في الضلال والإضلال راجع إلى السبيل إلّا أنّه قد يذكر مجرّدا عن ذكر السبيل إذ كثر استعماله ؛ والسبيل المقصود هو سبيل الحقّ . فمعنى قوله :
يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ
أي يعدل بهم عن الطريق .
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة .
( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .
( 3 ) . في الهامش عنوان : اللغة .
( 4 ) . في الهامش عنوان : اللغة والمعاني .