والرزق عقّب ذلك ببيان أنّه الآمر الحاكم لا شريك له في الملك والأمر ؛ فعلم أنّ الأمر له كما علم أنّ الخلق له .
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
وسرّ آخر : في النظم أنّه تعالى قرّر التوحيد في الآية السابقة ؛ فأراد أن يقرّر النبوّة ، ليقترن محمّد رسول اللّه بلا إله إلّا اللّه ؛ فذكر تنزيل كتابه على عبده وتعجيز الخلائق عن الإتيان بمثله ، فقال :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا .
[ التفسير ]
قال أهل التفسير « 1 » : إنّها نزلت في الكفّار المنكرين للنبوّة ؛ وقيل : إنّها نزلت في اليهود المنكرين لهذا الكتاب إذ قالوا :
وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ . *
و « إن » لفظة شرط وتستدعي جزاء ، « 2 » ومعناها هاهنا إذ ؛ لأنّ اللّه تعالى علم أنّهم في شكّ ؛ وهو كقوله :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ؛
وهذا قول أبي زيد والأكثرين .
وقال أهل اللغة : « إن » دخلت لغير شكّ ؛ لأنّه سبحانه علم أنّهم مرتابون ، ولكن جرت عادة العرب في خطابهم أن يقول : إن كنت أخي فأعنّي . فخاطبهم على ما اعتادوه ؛ وقال القفّال : « 3 » يحتمل أن يكون هذا الخطاب لقوم شاكّين في أمر النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - ، فقيل لهم هذا وقطع شكّهم بهذه الحجّة ؛ وكانت أقوالهم مضطربة لا يرجعون إلى علم ، كما قال :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ؛
وقال :
إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ؛
ويحتمل أن يكون خطابا للجاحدين ويكون المعنى أنّه لا ينبغي أن يشكّ فيه ، وإن كنتم تشكّون فهذا التنزيل هو المزيل للشكّ إذ عجزتم عن مثله .
قوله تعالى :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
والأمر بالإتيان هاهنا أمر تعجيز لا أمر تكليف .
والسورة مأخوذة من سور الحائط ، « 4 » وكلّ بناء مرتفع أو درجة رفيعة يسمّى سورا وسورة . قال النابغة :
ألم تر أنّ اللّه أعطاك سورة * بها كلّ ملك دونها يتذبذب
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : النزول .
( 2 ) . في الهامش عنوان : النحو .
( 3 ) . في الهامش عنوان : المعاني .
( 4 ) . في الهامش عنوان : اللغة .