تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
قال أبو عبيدة وابن الأعرابي : ( 89 ب ) فسمّيت سور القرآن لأنّ كلّ سورة منزلة رفيعة يرتفع القارئ منها إلى سورة ومنزلة أخرى ؛ وقيل : إنّها مأخوذة من سؤر الشراب ، وهي بقيّته وقطعة منه إلّا أنّها لمّا كثرت في الكلام ترك فيها الهمزة . وقوله :
مِنْ مِثْلِهِ ،
فيجوز أن تكون « من » صلة كقوله :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ،
ويجوز أن تكون للتبعيض ؛ لأنّ التحدّي إنّما وقع ببعض القرآن وهو السورة هاهنا ؛ والكناية ترجع إلى « ما » في قوله :
مِمَّا نَزَّلْنا
يدلّ عليه قوله :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ
وقوله :
فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ .
هذا قول مجاهد وقتادة . ومجازه : فأتوا بسورة من الجنس الذي تنسبون إليه هذا الكتاب ، وقول مثل هذا القرآن ؛ و « من » على هذا القول للتبعيض ؛ ويحتمل أن يكون المعنى فأتوا بسورة مثل سور القرآن في بلاغتها ونظمها وفصاحتها وما فيها من أخبار الغيب ، وعلى هذا « من » زيادة ؛ وتأويل جملة الكلام فأتوا بحجّة تدفع حجّته . قال الكلبي : « من مثله » أي من التوراة والإنجيل ؛ وقال ابن عبّاس في رواية عطاء : « من مثله » أي من مثل الأنداد التي جعلتموها شركاء لي ؛ وقال بعضهم : الكناية ترجع إلى النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - أي من رجل أمّيّ لا يحسن الكتابة والقراءة ، وقد نشأ بين أظهركم وعرفتم طريقته من مولده إلى مبعثه ، لم تخف أحواله عليكم . فإن كان تهيّأ لمثله مثل هذا النظم الغريب والفصاحة والجزالة والبلاغة فأتوا بسورة من رجل في مثل حاله . ثمّ اختلف العلماء في السورة التي يقع بها التحدّي . « 1 » فقال بعضهم : يجب أن تكون مثل سورة البقرة أو سورة يونس وهود ؛ وقال بعضهم : يجب أن يكون هو أكبر من الآيات الكبيرة في القرآن ، مثل آية الدّين ؛ وقال بعضهم : ما من سورة في القرآن إلّا ويجوز التحدّي بها ؛ وقال بعضهم : ينبغي أن تكون سورة يتبيّن فيها النظم والجزالة لكلّ من عرف وجوه النظم والجزالة والفصاحة في كلام العرب في غالب الأمر ، وهذه كلّها تحكّمات ؛ وقد قال اللّه تعالى في هذه الآية :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ،
فما من سورة إلّا ويمكن بيان الإعجاز فيها ، ولكن البيان على المبيّن ؛ فيجب أن يكون الرجل العالم مبيّنا وجه الإعجاز فيه .
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .