اختاروا ؛ وقال بعضهم : وما كانوا مهتدين قبل هذه التجارة بما أوتوا من علم التوراة ؛ لأنّهم كانوا يستأكلون به أموال الناس بالباطل ؛ فما أصابوا طريق الهدى ؛ وقيل : وما كانوا مهتدين فيما اشتروا .
الأسرار
قال الذين عندهم علم الكتاب : البيع والشراء جاريان في معاني الديانات جريانهما في جميع الموجودات وفي الأعيان والمنافع في أبواب التجارات ؛ وذلك إنّما يصحّ بإيجاب وقبول في القول ، وبدل ومبدّل في العين ، وتسليم وتسلّم بالفعل ؛ وهو في جانب الحقّ ، قال اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
وقال :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
وقال :
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
وفي جانب الباطل :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ؛
والاستبدال في حيّز التضادّ قد يكون استبدالا للحقّ بالباطل ، وللباطل بالحقّ . والاستبدال في حيّز الترتّب قد يكون استبدالا للخير بما هو خير منه : « وفوق كلّ برّ برّ حتّى يقتل الرجل في سبيل اللّه . » 458 ثمّ الإيجاب والقبول من حيث القول ؛ فهو الدعوة الهادية ، قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ؛
وأمّا البدل هو الدنيا بما فيها من زخارفها ، والمبدل هو الآخرة بما فيها من ذخائرها الباقية ؛ وأمّا التسليم والتسلّم ، فاليوم تسليم الثمن وغدا تسلّم المثمن :
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا .
ثمّ الإيجاب والقبول هو الإعطاء والأخذ ، والأداء والقبول ، والفعل والانفعال في جميع الموجودات ؛ وبهما قامت السماوات والأرض ؛ فالقلم مؤدّ واللوح قابل ، والموجودات التامّة بالفعل مؤدّية والموجودات الناقصة بالقوّة قابلة ، والأفلاك والكواكب ونفوسها مؤدّية والطبايع والأركان قابلة ( 76 آ ) وكذلك في الأركان اثنان منها فاعلان واثنان منفعلان ؛ وكذلك في المركّبات من المعادن والنبات والحيوان والإنسان يجري فيها القبول والأداء ،