والمؤمن يأكل في معاء واحد ، وهو تسليم الأمر إلى من له الأمر ، والأخذ منه ، والكون معه ، والحبّ له ، والالتجاء إليه ، والتوكّل عليه بظاهره وباطنه وقوله وفعله وعلانيته وسرّه :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً .
ثمّ ذكر سبحانه وتعالى مثل المنافقين بعد ذكر مراتبهم فقال - جلّ وعزّ - :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
ليعرف أنّ خصالهم غير ، وأمثالهم غير ، وذاك هو وجه النظم بين الآيات .
قوله - جلّ وعزّ - :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
( 16 ) التفسير والمعاني الأصل في الاشتراء الاستبدال ؛ وكلّ اشتراء استبدال ، وليس كلّ استبدال اشتراء ؛ والمعني بالاستبدال أخذ الشيء وإعطاء بدله ؛ وكذلك الاشتراء أخذ الشيء وإعطاء ثمنه ؛ والشراء من الأضداد ، فقد تكون بمعنى البيع كقوله :
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ
وقد يكون بمعنى الأخذ والقبول وإخراج ثمنه . قال ابن عبّاس : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى ، وهو مرويّ عن عبد اللّه بن مسعود أيضا وقول السدّي .
وذكر أهل التفسير والمعاني في وجه اشتراء الضلالة بالهدى بعد أن لم يكونوا على الهدى أربعة أوجه :
أحدها : أنّ هؤلاء المنافقين لمّا تركوا ما هو الواجب عليهم من الهدى وهو ميسور لهم ، لو حاولوه ، فاستبدلوا به الضلالة قيل : إنّهم اشتروا الضلالة بالهدى .
والثاني : أنّ العرب ( 75 آ ) تجعل من آثر شيئا على شيء مشتريا له وبائعا ، وإن لم يكن ثمّ شراء ولا بيع ظاهر . فعلى هذا معنى « اشتروا » استحبّوا وآثروا ؛ وكان ما أخذوه وهو ما هم عليه الآن من النفاق كالسلعة ، وكان ما تركوه وهو الإيمان والهدى إلى بدل عنه كالثمن ، قال اللّه تعالى :
وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ؛
وروى سعيد بن أبي