عروبة قتادة أنّ معنى « اشتروا » استحبّوا الضلالة على الهدى ؛ والعرب تقول لكلّ من ترك شيئا واستحبّ غيره إنّه قد اشتراه على معنى أنّ رغبته فيه كرغبته في المشتري ؛ فالاشتراء إذا بمعنى الاختيار .
والوجه الثالث : أنّه على حقيقة الشراء ؛ فكأنّهم اشتروا الكفر بالإيمان لأنّهم كفروا بعد إيمانهم ، قال اللّه تعالى :
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ؛
وهذا قول الكلبي ومقاتل ومجاهد . قال الكلبي : باعوا إيمانهم بمحمّد - صلّى اللّه عليه وآله - قبل أن يبعث إليهم بالضلالة التي دخلوا فيها من اليهودية والتكذيب ؛ وقال مقاتل ومجاهد : آمنوا ثمّ كفروا ؛ وإن حملت الآية على المنافقين فالبيع والشراء في حقّهم ظاهر ؛ فإنّهم آمنوا بلسانهم واشتروا الضلالة بالهدى بعد الإيمان للنفاق الذي أضمروه .
والوجه الرابع : اختاروا متابعة الشهوات وما هو سبب الضلال من الهوى والاستبداد بالرأي على الهدى في القرآن .
قال اللّه تعالى :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
أي لم يحصلوا من تجارتهم على ربح ، بل خسروا ثواب الدنيا والآخرة ، ولم يحصلوا من الضلال الذي آثروه على الهدى الذي تركوه على نفع في الدنيا والآخرة ، وما كانوا مهتدين من الضلالة ، ونحوه قال مقاتل . قال قتادة :
خسرت صفقتهم ولم يربحوا ؛ لأنّهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ، ومن الجماعة إلى الفرقة ، ومن الإطاعة إلى المعصية ، ومن الأمن إلى الخوف .
وقوله :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ،
قال أبو إسحاق : « 1 » معناه ما ربحوا في تجارتهم ؛ لأنّ التجارة لا تربح وإنّما يربح فيها ؛ والعرب تقول : قد خسر بيعك وربحت تجارتك . يريدون بذلك الاختصار وسعة في الكلام ؛ وقد قال اللّه تعالى :
بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
والليل والنهار لا يمكران ، وإنّما معناه بل مكرهم في الليل والنهار ؛ فكذلك قول القائل : ربح بيعك ، معناه ربحت في بيعك . قال أصحاب المعاني : هذا مثل ، أي : ما زكا عملهم ولا أفلح اختيارهم ، بل خاب سعيهم وخسرت ( 75 ب ) صفقتهم وحبط عملهم .
وقوله :
وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
أي لم يكونوا مصيبين فيما فعلوا ولا ذوي رشد فيما
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة والمعاني .