وقالت القدرية : الختم على القلوب والطبع والغشاوة والإقفال إنّما يحمل على العقوبة على ما كفروا من النعم والمجازاة عليها ، كما قال تعالى :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ،
واستدلّوا بقول مجاهد أنّه قال : هو أن تحفّ الذنوب بالقلب ؛ فإذا التفّت عليه فذلك الختم ؛ وفي الحديث المرويّ عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه ؛ فإن تاب واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتّى تغلق القلب وهو الرين » 439 ، قال مجاهد : الرين أشدّ من الطبع ، والطبع أيسر من الإقفال . قالت القدرية : إنّ الذين كفروا لمّا أضربوا عن النظر في آيات اللّه ولم ينتهوا لما نبّههم اللّه ، قطع اللّه عنهم موادّ التوفيق وحرّمهم الألطاف كما [ قال ] :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً ؛
فحال بينهم وبين الإيمان والإخلاص ، وقال بعضهم : لمّا حرّمهم الألطاف صاروا كمن ختم على قلبه وجعل على بصره غشاوة . فأضيف هذا إلى اللّه تعالى على هذا المعنى ، وهذا كإضافة الإضلال إلى الأصنام ؛ إذ كانت سببا في ضلالهم ؛ ومن هذا القبيل قوله :
فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ
وإلى هذا المعنى مثّل القفّال ؛ وقال بعضهم : إنّ المعنى بالختم والطبع شهادة اللّه لهم بالكفر ؛ وقال بعضهم : إنّ ذلك سمة وعلامة على قلوبهم ، ليتميّز عند الملائكة من قلوبهم وقلوب المؤمنين ؛ وقال :
وَأَمَّا الَّذِينَ [ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ] فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ .
وقال :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ .
وقال :
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ [ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ] بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ
يعنى أنّهم تصامّوا وتعاموا عن الحقّ حتّى كأنّه ختم على قلوبهم . هذا كلام الجبرية والقدرية ( 63 آ ) في معنى الختم والطبع والغشاوة وأمثالها في القرآن ؛ وسنعود إلى توجيه القولين أو إبطال المقالتين إن شاء اللّه .
وأمّا قوله تعالى :
وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ .
قال أهل التفسير « 1 » : أي وختم على سمعهم ؛ فلا يسمعون الحقّ ولا يعقلونه ولا ينتفعون به ؛ والمعنى على سمع قلوبهم ، كما قال في موضع آخر :
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ؛
وإنّما جمع بين السمع والبصر في الذكر للتأكيد في تغطية البصيرة ؛ وقال ابن عبّاس : ختم على سمعهم ؛
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير .