الكمال ، وما يدريه لعلّ ما اعتقده « 1 » فصيحا هو دون ما زيّفه مردودا ؛ ومن تصدّى للانتقاد ؛ فيجب أن يكون له كلام فوق المنقود حتّى يصحّ منه الانتقاد .
وأنّ الفصحاء من العرب أخرجوا كلمات القرآن عن جنس كلام البشر ، فتارة وصفوه بالسّحر المبين ، وتارة نسبوه إلى اللّه تعالى ؛ وكذلك الجنّ حين استمعوا قالوا :
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ،
فوصفوه من حيث اللفظ بالعجب ، ووصفوه من حيث المعنى بالهداية والرشد جمعا بين العبارة والمعنى في الكمال ؛ ولأنّ الكمال في الصوت أن يكون كلاما مفهوما ، والكمال في الكلام أن يكون بالهداية مشعرا ،
أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ؛
فلمّا تعرّى صوت العجل عن الكمالين كان خوارا « 2 » ؛ فمن اعتبر الفصاحة والجزالة والنظم والبلاغة من حيث اللفظ فقد أثبت الكمال الأوّل دون الكمال الثاني ؛ ومن اعتبر الهداية والإرشاد والتنبيه على الحقائق والحكم من حيث المعنى مع الكمال الأوّل ، فقد استوفى حدّ البلاغ والكمال المعجز :
قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما .
وقلّ ما نجد في القرآن ذكر الشرف والكمال فيه إلّا ويشير إلى الهداية والروح والرحمة والإنذار والتذكير ، قال اللّه تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ ؛
وقال :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ؛
وقال :
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ (
24 ب )
هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ؛
وقال :
لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ؛
وقال :
وَأَنْذِرْ
« 3 »
بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ .
فكما لا حظنا جانب اللفظ حتّى عرفنا بلاغته فوق سائر البلاغات ، وجب أن نلاحظ جانب المعنى حتّى نعرف هدايته فوق سائر الهدايات .
وكما أنّ النبيّ إنّما تميّز عن البشر بأنّه يوحى إليه أن لا إله إلّا اللّه ، وكان نفس دعواه معجزا ، إذ لم ينازعه في تلك الدعوى منازع « 4 » ؛ وإن جحده منكر فالمنكر ليس بمنازع ، كذلك القرآن إنّما تميّز عن « 5 » سائر الكلام بأنّه مشتمل على ذلك التوحيد ونفي الأنداد ؛ فلا يعارضه
هامش
( 1 ) . س : انتقده .
( 2 ) . س : جوازا .
( 3 ) . س : وذكر .
( 4 ) . س : منان .
( 5 ) . س : بين .