المفروغ حكم المستأنف ، ولا يبطل حكم المستأنف حكم المفروغ ؛ ولذلك أحال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - نظرهما إلى ذلك الملك ؛ ولمّا عاودوه على إقامة الحجّة بعد الحكم : إن كان الأمر قد فرغ منه ففيم العمل إذا ؟ ! قال : « اعلموا وكلّ ميسّر لما خلق له » ؛ فقد أفتى بالحكمين . فإنّ قوله « اعلموا » ، إشارة إلى حكم المستأنف ؛ وقوله : « وكلّ ميسّر لما خلق له » إشارة إلى حكم المفروغ .
وأنت إذا لاحظت الخلقيات وجدتها على قسمين :
أحدهما : موجودات حاصلة بالفعل ، كاملة في الذات ، منزّهة عن المادّة والزمان والمكان ، كالقدسيات من الملائكة والمقرّبين من الروحانيات .
والثاني : موجودات حاصلة بالقوّة متوجّهة إلى الكمال ، مخلوقة من مادّة وفي زمان ومكان .
كذلك إذا لا حظت الأمريات وجدتها على قسمين :
أحدهما : أحكام مفروغة قد تمّت وكلمات تامّة قد كملت ، كما قال تعالى :
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ
« 1 »
رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ .
والثاني : أحكام مستأنفة قد توجّهت إلى التمام والكمال .
فمن حكم المفروغ قيل « 2 » : « جرى القلم بما هو كائن » 295 ، وقيل : « فرغ ربّكم من « 3 » الخلق والرزق والأجل » 296 . وصدق الخبر : « السعيد من سعد في بطن أمّه ، والشّقيّ من شقي في بطن أمّه » 297 ؛ ودلّت عليه آيات الختم 298 والطبع 299 والإقفال 300 وحملت عليه آيات اليأس من إيمان الكفّار :
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ [ أَمْ ] لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، *
( 22 آ )
سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا
« 4 »
بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً
إلى أمثال ذلك .
ومن حكم المستأنف « جرى قلم التكليف بما سيكون » وتوجّه الخطاب إلى « 5 » المختارين بفعل الخير ، واعتقاد الحقّ ، وقول الصدق ؛ وتقدّر الجزاء على الأفعال خيرها
هامش
( 1 ) . س : كلمات .
( 2 ) . س : قبل .
( 3 ) . س : عن .
( 4 ) . س : لم تؤمنوا .
( 5 ) . س : على .