تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤

الفصل العاشر في حكمي المفروغ والمستأنف

وطرفي التضادّ والترتّب على قاعدتي الخلق والأمر اعلم أنّ لفظ المفروغ والمستأنف إنّما أخذ من الشيخين العمرين أبي بكر وعمر - رضوان اللّه عليهما - ، حيث تكلّما في القدر ، وارتفعت أصواتهما حتّى بلغ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - صوتهما وهو في الحجرة ، فخرج إليهما ، ووجنتاه كأنّهما رمّانة شقّت بنصفين ؛ فقال - عليه وآله السلام - : « فيم أنتم ؟ » قالوا : نتكلّم في القدر . فقال : « هلّا تكلّمتم في ملك خلقه اللّه تعالى نصفه من نار ونصفه من ثلج ، فلا النار تذيب الثلج ، ولا الثلج يطفئ النار ، تسبيحه سبحان من جمع بين النار والثلج » . فقام إليه عمر حتّى جلس عنده ، وقال : يا رسول اللّه ! أنحن في أمر مبتدأ أم نحن في أمر مفروغ ؟ وفي رواية قال : الأمر أنف ؟ فقال - عليه السلام - : « نحن في أمر مفروغ عنه » . فقال عمر : إن كان الأمر قد فرغ منه ففيم العمل إذا ؟ فقال - عليه وآله السلام - : « يا عمر ! اعملوا وكلّ ميسّر لما خلق له . » 294 فأخذ لفظ المفروغ والمستأنف من ذلك المجلس ؛ وذهب قوم إلى أنّ الأحكام كلّها مفروغة مقدّرة في الأزل ؛ والخلق مجبورون تحت مجاري الأقدار ، لا يملكون تأخّرا عمّا قدّمهم إليه ولا يستطيعون ( 21 ب ) تقدّما إلى ما أخّرهم عنه ، حتّى بلغوا إلى حدّ التفريط في نفي الاستطاعة وإثبات تكليف ما لا يطاق . وذهب قوم إلى أنّ الأحكام كلّها مستأنفه مقدّرة على اختيار العبد ؛ والمكلّفون كلّهم مختارون في مجاري التكليف بما يكون النفع والضرّ ؛ ويحدثون الإيمان والكفر ، حتّى بلغوا في حدّ الإفراط إلى إثبات الاستقلال ونفي الاستعانة في جميع الأفعال . والمذهبان محمولان على طرفي الإفراط والتفريط ؛ ومصدرهما اختلاف الشيخين في الحكمين ؛ ولو عرفوا أنّ القول فيه أمر بين أمرين ، لا جبر ولا تفويض ، وأنّ المفروغ والمستأنف على مثال ملك نصفه من نار ونصفه من ثلج ، والنار جانب المفروغ ، والثلج جانب المستأنف ؛ وكما لا يذيب النار الثلج ولا يطفئ الثلج النار ، كذلك لا يبطل حكم