الفصل التاسع في العموم والخصوص والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ
إنّ العموم والخصوص لا يرجعان إلى الألفاظ من حيث هي حروف وأصوات ، بل من حيث إنّها دالّة على معانيها بالوضع أو الاصطلاح في الأذهان والأعيان . فالعموم والخصوص إذا في الأذهان والأعيان ؛ والعموم بالأذهان أولى ، والخصوص بالأعيان أولى .
وما من لفظ عامّ في القرآن إلّا وقد دخله التخصيص وما من تخصيص إلّا وقد قارنه التشخيص . فأمّا تخصيص العمومات ، فمثل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ؛
وهو خطاب عامّ لجميع الناس ، ومن ينطلق عليه اسم الإنسانية . ثمّ لم يمكن إجراؤه على عمومه ؛ لأنّ المجنون والصبيّ إنسان ، ولم يتناوله الخطاب ؛ فوجب تخصيص اللفظ العامّ بمن له عقل كامل ، والمجنون ليس بعاقل ، والصبيّ ليس بكامل .
وأمّا تشخيص المخصوصات فممّا أغفلها كثير من أهل العلم ؛ فإنّ « الناس » قد خصّص بالمكلّفين ، وقد يشخّص بجماعة مخصوصين :
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ،
والتكليف بالإفاضة على ناس مخصوصين ، و « من حيث أفاض الناس » هم قوم غير أولئك المكلّفين ، هم الهداة المهديّون ؛ فتخصّص منهم أيضا شخص واحد ، هو « الناس » :
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
قيل في التفسير هو محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - وذلك هو تشخيص الخاصّ ؛ ونسبته « 1 » إلى الأشخاص نسبة الخصوص إلى العموم .
ومن ذلك القبيل قوله تعالى :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
وذلك عامّ لا عموم فوقه ، ثمّ خصّ الرحمة بقوم ، فقال :
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ
« 2 »
الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ
ثمّ خصّها بقوم ، فقال :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ
ثمّ تشخّصها بشخص مخصوص هو « الرحمة » :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؛
ومن ذلك القبيل قوله تعالى :
آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ *
وهو إشارة إلى عموم الربوبية لجميع العالمين . ثمّ قال
هامش
( 1 ) . س : سببه .
( 2 ) . س : + له .