فحدّثهم اللّه في كتابه : أنّ القتال في الشّهر الحرام حرام ، وأن الذي يستحلّون من المؤمنين هو أكبر من ذلك « 1 » ؛ من صدّهم عن سبيل اللّه ، حين يسجنونهم ويعذّبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، وكفرهم باللّه وصدّهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحجّ والعمرة والصّلاة فيه ، وإخراجهم أهل المسجد الحرام منه ؛ وهم سكّانه من المسلمين ، وفتنتهم إيّاهم عن الدّين . فبلغنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عقل « 2 » ابن الحضرمىّ ، وحرّم الشّهر الحرام كما كان يحرّمه ؛ حتّى أنزل اللّه عزّ وجلّ :
( بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ )
« 3 » .
فقوله :
( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ )
يعنى : أهل الشّرك يسألون عن ذلك على جهة العيب للمسلمين ، باستحلالهم القتال في الشّهر الحرام .
وقوله :
قِتالٍ فِيهِ
تقديره : عن قتال فيه ، وكذا هو في قراءة ابن مسعود « 4 » .
قُلْ
لهم يا محمد :
قِتالٍ فِيهِ
في الشّهر الحرام
كَبِيرٌ
أي : عظيم في الإثم ، وتمّ الكلام هاهنا .
ثم قال :
وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
يعنى : صدّ المشركين رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأصحابه عن البيت عام الحديبية
وَكُفْرٌ بِهِ
أي : باللّه
وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ
ينخفض بالعطف على « سبيل اللّه » تقديره : وصدّ عن سبيل اللّه وعن المسجد الحرام
وَإِخْراجُ أَهْلِهِ
أهل المسجد « 5 »
مِنْهُ أَكْبَرُ :
أعظم وزرا
عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ :
الشّرك والكفر
أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ
يعنى : قتل ابن الحضرمىّ .
ولمّا نزلت هذه الآية كتب عبد اللّه بن جحش ، صاحب هذه السريّة - إلى مؤمني مكة : إذا عيّركم المشركون بالقتال / في الشّهر الحرام ، فعيّروهم أنتم : بالكفر ، وإخراج الرسول من مكّة ، ومنع المؤمنين عن البيت .
هامش
( 1 ) « أي : من قتل ابن الحضرمي » .
( 2 ) عقل القتيل : أعطى ورثته ديته بعد قتله : ( اللسان - مادة : عقل ) .
( 3 ) الآية الأولى من سورة التوبة .
( 4 ) أي : « عن قتال فيه » على تكرير العامل ، كما في ( الكشاف للزمخشري 1 : 261 ) و ( معاني القرآن للفراء 1 : 141 ) و ( البحر المحيط 2 : 145 ) .
( 5 ) يعنى رسول اللّه وأصحابه حين أخرجوا من مكة » ( الوجيز للواحدي 1 : 57 ) .