تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
أما فخر الدين الرازي فيسهب في المناقشات الفلسفية واللاهوتية حول نماذج المعرفة ودرجاتها وأنماطها وذلك انطلاقا من الموضوع المركزي للقصة أو للحكاية الواردة في الآية التالية :
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
[ سورة الكهف ، الآية 65 ] . نلاحظ هنا أن النزعة الواقعية تحافظ على أولويتها لدى المفسّرين القدامى . فمثلا ، ما ذا يقولون عن القرية التي أبت أن تستضيف موسى والخضر ؟ إنهم يحدّدونها فورا بالاسم ويقولون إنها إما أنطاكية وإما إيلات . ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن مراحل الحكاية المتمثّلة بخرق السفينة وإغراق أهلها ، ثم قتل الغلام ، ثم الضيافة الممنوعة ، ثم الجدار الذي أقامه بدون أجر ( سورة الكهف ، الآيات 71 - 77 ) . فهنا أيضا نلاحظ أن المفسّرين المسلمين القدامى لا يقرءونها بصفتها مجرد « مقاطع سردية » ، وإنما ينظرون إليها أو يفسّرونها كحالات معاشة يستمد منها عالم اللاهوت والفقيه الأحكام التي ينبغي أن يتقيّد بها المسلمون في الحياة الأرضية . فمثلا يطرح فخر الدين الرازي هذا التساؤل في ما يخصّ خرق السفينة ويقول بما معناه : هل يحقّ للأجنبي أن يتدخل في أملاك الآخرين لتحقيق غرض مشابه ؟ ثم يجيب الرازي : ربما كان مثل هذا السلوك مقبولا في الشرع الذي تتضمنه الحكاية . ومثل هذا الرأي ليس عصيا على التصوّر أو القبول في شرعنا الديني . 4 - لكي يحدّد من هو ذو القرنين « * » ، بطل الحكاية الثالثة الواردة في سورة الكهف ، نلاحظ أن الطبري يشير إلى حكاية تأطيرية مستقلة عن السابقة . وطبقا لها فإن بعض « أهل الكتاب » جاءوا لكي يسألوا النبي عمّا يقوله الكتاب المقدس عن ذي القرنين . وقد استقبلهم النبي بحضور بعض الصحابة وقال لهم : « إنه فتى من أصل رومي جاء لكي يبني مدينة الإسكندرية . . . » ( تفسير الطبري ، الجزء السادس عشر ، ص 6 - 7 ) . وقد استشهدوا بأحاديث نبوية عديدة لتفسير هذه التسمية : ذو القرنين . نلاحظ أن الرازي يقتصر على القصة التأطيرية الأولى ويقول بأن الأمر يتعلق بالإسكندر ، ابن فيليب الإغريقي . ويضرب على ذلك كبراهين الآيات 85 - 86 ثم 94 ، حيث يقول القرآن بأن البطل وصل إلى مغرب الشمس ومشرقها ، أو بالأحرى مطلعها بحسب التعبير القرآني ، ثم وصل إلى بين السدّين ، أي إلى الشمال الأقصى حيث يعيش الشعب التركي المدعو بيأجوج ومأجوج « * * » . ويقال
هامش
* في كتابه القاموس التاريخي للإسلام يرى دومينيك سورديل أن ذا القرنين المذكور في القرآن ما هو إلا الإسكندر الأكبر أو الإسكندر المقدوني . وأما يأجوج ومأجوج فهما اسمان لشعبين كان قد ذكرا في التوراة في سفر التكوين ، وسفر حزقيال . انظر :Dictionnaire:SourdelJanineDominiqueet. 317et61 - 60 .pp، 1996 ، .P . U . F،Paris،lIslamdehistorique* * في الأسطورة التوراتية يقال لنا بأن شعبي يأجوج ومأجوج سوف ينزلان من جهة الشمال في نهاية الأزمان لكي يهاجما شعب إسرائيل . ولكن « يهوه » ، أي رب إسرائيل ، سوف يدافع عن شعبه . وقد استعاد القرآن هذه القصة في مقطعين من مقاطعه ، الأول من سورة الكهف :قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ-