ما نكتشفه في نهاية المطاف بعد دراسة مجريات التفسير التقليدي ووظائفه هو عملية تشكيل الممكن التفكير فيه تحت ضغط خطاب نموذجي أعلى متلقّى ومعامل وكأنه يتعالى على كل الخطابات البشرية . وكل ما لا يندرج داخل هذا الخطاب المثالي الأعلى أو كل ما ليس متطلبا من قبله ، إما أنه يقبل ويعترف به بصفته ممارسة مفيدة ، وإما أنه يرفض ويرمى في دائرة المستحيل التفكير فيه . ويؤدي ذلك ( داخل تراث فكري مديد ) إلى تراكم اللامفكّر فيه داخل هذا التراث ( في ما يخصّ الممارسة المفيدة هنا انظر المناقشات التي جرت بين الفقهاء حول المهن أو الحرف ، وحول العلوم ، أو المبتكرات والبدع المستجدة . . . إلخ ) .
أريد أن أضيف هنا ما يلي : إن المصطلحات التالية : الممكن التفكير فيه / المستحيل التفكير فيه / المفكّر فيه / اللامفكّر فيه ، ينبغي أن تبلور بشكل تاريخي وسوسيولوجي ، وليس فقط من قبل بعض الفلاسفة كما هو حاصل حتى الآن . فنحن إذا ما بلورنا هذه المصطلحات بطريقة عملية محسوسة ، فإننا نستطيع أن نبرهن على نواقص التاريخ السردي للأفكار . وإذا ما طبّقناها على التراث الإسلامي ، فإنها تساهم في تعرية أو فضح الاستخدامات الأسطورية والإيديولوجية العديدة لهذا التراث بالذات . ويقوم بهذه الاستخدامات الفكر المعاصر السائد في العالم العربي أو الإسلامي « 1 » .
وما سنقوله لاحقا عن سورة الكهف سوف يتيح لنا أن نقيس حجم اللامفكّر فيه ، هذا الحجم الضخم الناتج عن الحصر الصارم لما يمكن التفكير فيه ، كما برهن على ذلك مثال فخر الدين الرازي الذي كان يأنف من الاعتراف بأن موسى الوارد في الحكاية الثانية هو النبي المشهور الذي نعرفه .
النتائج
من الشروحات المسهبة والمطوّلة التي كرّسها الطبري وفخر الدين الرازي ومفسّرون آخرون عديدون لسورة الكهف يمكن أن نستنتج بعض النتائج التي غذّت تأملات المسلمين ومخيالهم عبر القرون . ولن نعدّد هنا سوى السمات الأساسية المشتركة التي ستتيح لنا لاحقا إيضاح مخطط قراءتنا وأهدافها بشكل أفضل . ويمكن إجمال هذه السمات في النقاط التالية :
هامش
( 1 ) من أجل الاطلاع على البلورة الأولى لهذه المفاهيم انظر دراستنا المنشورة بالفرنسية : « الفكر العربي وأساليب حضوره في الغرب الإسلامي » :enarabepenseeladepresencedeEodes) ) :M . Arkoun.op . cit،islamiqueraisonladecritiqueunePour:In؛ ( (musulman. Occidentمن البدهي أن الخطاب القرآني ليس العامل الوحيد الذي يضغط على العلاقة بين الممكن التفكير فيه / والمستحيل التفكير فيه / واللامفكّر فيه . وإنما تدخل في اللعبة المعقدة عوامل أخرى ساهمت في توليد المجتمعات المدعوة إسلامية ، كالعوامل الاقتصادية والاجتماعية وغيرها .