ومن سورة مريم
445 - مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه يجعل المؤمن مؤمنا ويخلق الطاعة فيه ، فقال :
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
« 1 » ، فلو لم يكن رضيا بفعله ، لما صح لهذا الدعاء معنى !
والجواب عن ذلك : أن ظاهره إن دل ، فإنما يدل على أنه تعالى يصح أن يجعله رضيا ويقدر عليه ، وذلك مما لا نأباه ، وإن كنا نقول : إن العبد يفعل ويقدر .
وبعد ، فإن الرضىّ قد يكون رضيا بأمور من قبله ، وقد يكون كذلك بأمور من قبل اللّه تعالى ، نحو كمال خلقه وعقله وسائر ما يفضله اللّه تعالى به « 2 » على غيره وليس في الظاهر عموم ، فمن أين أن المراد بذلك أحدهما دون الآخر ؟ وقد بينا من قبل أن الداعي إذا دعا بالشيء فلا ظاهر لدعائه ، لأنه إنما يحسن منه القصد ، فما لم يعلم إلى ما ذا قصد لا يعرف فائدته ، لأنه لا بد من شرط في الدعاء مضمر إذا لم يظهر فيه ذلك ، وكل ذلك يبطل تعلقهم به .
والمراد عندنا بذلك : أنه سأل اللّه تعالى أن يلطف له ويعينه ليختار ما يصير به رضيا ، كما ذكرنا في قوله تعالى :
وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
« 3 » إلى ما جرى هذا المجرى ، وهذا أصل معروف في اللغة : أنه متى أضيف إلى الغير أمر من الأمور بلفظ يقتضى في غيره الفعلية ، فيجب أن يكون محمولا على أسبابه ، فلما كان وصف
هامش
( 1 ) من الآية : 6 .
( 2 ) ساقطة من د .
( 3 ) انظر الفقرة : 53 .