أضل « 1 » العباد من حقت عليه المعاصي وحق عليه الكفر ، لكان خارجا عن اللغة والدين .
ثم يقال للقوم : إذا كان المراد بالآية ما قلتم ، فيجب أن لا يكون لإرسال الرسل إلى الفريقين معنى ، لأن من هداه اللّه تعالى بخلق الإيمان فيه ، يصير كذلك مع فقد الرسول ووجوده ، ومن أضله فكمثل ، فكيف يجوز أن يكون تعالى يجعل الهدى فيهم - والضلال - متعلقا ببعثة الرسل ؟ ولا بد « 2 » إذا بطل ذلك من حمله « 3 » على أنه بعث الرسل فدعوهم إلى عبادة اللّه تعالى ، واجتناب عبادة الطاغوت ، فمنهم من قبل فهداه اللّه ، ومنهم من أبى فحقت عليه الضلالة ، وهذا بين .
403 - وقوله تعالى بعد ذلك :
إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ
[ 37 ] لا ظاهر له فيما يقولون في الهدى والضلالة ؛ لأنه لا يجوز أن يقول تعالى لرسوله : لا تحرص على إيمانهم فإني أخلق الكفر فيهم ! كما لا يجوز أن يقول : لا تحرض على إقامة الأدلة فإني أعميهم عنها ، وأخلق فيهم خلاف ما تدعوهم إليه ، تعالى اللّه عن ذلك !
فالمراد بالآية : أنه من يضله تعالى ويعاقبه لكفره ، وفسقه ، لا يهديه إلى الجنة ولا يثيبه ، وإذا كان تعالى لا يثيبه ولا يهديه ، على هذا الوجه ، من حيث لا يستحقه ، فلا تحرص على أن يكون من أهل الثواب . وهذا بمنزلة قوله تعالى :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
« 4 » .
هامش
( 1 ) في ف : من . وفي د : اصر .
( 2 ) د : ولأنه .
( 3 ) د : قبله .
( 4 ) من الآية : 56 في سورة القصص .