ومن سورة محمد [ صلى اللّه عليه ]
697 - قوله تعالى :
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ
[ 4 - 5 ] من أقوى ما يدل على أن الهدى قد يكون بمعنى الثواب ، لأنه تعالى بين أنه بعد القتل سيهديهم ، فلا يصح حمله على خلق الإيمان فيهم كما يقوله المخالف ، ولا على الدلالة والبيان لأن التكليف قد زال ، فليس إلا ما ذكرناه ، ولذلك أتبعه بقوله :
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ
[ 6 ] .
698 - وقوله :
فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ
يدل على أن الضلال قد يكون بمعنى الهلاك ، لأنه لا يمكن حمله على الضلال عن الدين ؛ على ما يقوله القوم ، فليس إلا ما ذكرناه من أنه يهلكها ويبطلها ، ويبين ذلك قوله من بعد :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
[ 8 ] فأثبت في أعمالهم من الضلال ما نفاه عن أعمال من قتل في سبيل اللّه ، فالمراد واحد على ما ذكرناه .
699 - وقوله تعالى ،
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً
[ 17 ] يبين أن الهدى قد يكون بمعنى الدلالة والبيان ، لأنه لا يمكن أن يحمل الأمر فيه على خلق الإيمان فيهم ، لأنه وصفهم بالاهتداء ، فلا بد من أن يكون محمولا على زيادات الأدلة . وقد بينا أن المهتدى هو المتمسك بالأدلة ، والعامل بموجبها لا بد من أن ترد عليه خواطر من قبل اللّه - تعالى - تزيده بصيرة إلى ما هو عليه من المعرفة ، فيشرح بذلك صدره ويكون إلى الثبات على الاهتداء أو الطاعة أقرب ، وهذا مما يعرفه العالم من نفسه ، لأنه كلما كثر نظره تكون معرفته بالشيء الواحد أقوى . وقد يجوز أن يخطر ببالهم ما تحل به الشبه الواردة عليهم في النظر والمعرفة فيزيدهم ذلك سكونا وثلج صدر ، وهذا أيضا معروف من حال العلماء .