بالمعاد ، وبين أنه لو عاجلهم بالعقوبة لقضى إليهم أجلهم « 1 » فكان الموت يرد عليهم عند إنزال العقوبة ، من حيث لا تحتمل أبنيتهم العذاب الشديد الذي يفعل بهم في الآخرة وتحتمله أبدانهم [ فيها ] لأنه تعالى يصلّبها ويقويها ويعظمها ، أو يريد بذلك أنه كان يزول التكليف عنهم بورود العذاب بحصول الإلجاء عنده إلى الطاعة ، فينقضى أجل التكليف عنهم .
ثم قال ما يدل على أنه أمهلهم ، ليستدركوا ويتوبوا فقال :
فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا
يريد أنه « يمد لهم « 2 » في العمر ويخلى بينهم وبين التكليف ، ليكون قد أعذر وأقام الحجة .
ثم قال ما يدل على أنه قد علم أنهم يتسترون على اللّه ، فقال :
فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
وليس في ذلك دلالة على أنه تعالى جعلهم كذلك ، ولم يضف إلى نفسه إلا تخليته بينهم وبين التكليف ، فهذا من فعله تعالى لا محالة ، وقد يقال فيمن يقدر على منع الغير مما هو فيه ، إذا هو خلاه ولم يمنعه ، إنه تركه في ذلك الأمر ، وهذا ما يجوز عليه تعالى ، لأنه أراد منهم العدول عن العمة والكفر على وجه الاختيار لا على وجه الإلجاء .
316 - فأما قوله تعالى :
كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 3 » فقد بينا في نظيره أنه لا ظاهر له « 4 » ، ويجب أن يكون المراد أن شياطين الإنس والجن زينوا للمسرفين على أنفسهم في الإقدام على المعاصي ، ما هم عليه من تعجيل الشهوات والعدول عن طريقة الآخرة .
هامش
( 1 ) قال تعالى :[ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ . . . ]الخ - الآية 11 .
( 2 ) د : يهديهم .
( 3 ) من الآية : 12 .
( 4 ) انظر الفقرتين 66 ، 45 .