فإن سأل فقال : أليس هذه الآية تدل على أن السجود قد يحسن لغير اللّه عز وجل « 1 » ! ؟ قيل له : إن السجود لآدم لا يدل على أنه تعظيم لآدم وعبادة له ، وإنما كان يصح ما ذكرته لو دل على هذا الموضع ، ولو أن أحدنا قال لغيره :
صلّ للقبلة واسجد لها ، لم يدل ذلك على أنها المعبود . وقد قالت الفقهاء : إن فلانا سجد للسهو والمراد بذلك أنه سبب السجود ، لا أنه المعبود بالسجود .
فإن قال : فإن كان الأمر كذلك فيجب أن لا يكون لآدم فيه مزية ، وإن كان كالقبلة ! وفي هذا إبطال تعظيمه لذلك وتفضيله !
قيل له : ليس الأمر كما زعمته ؛ لأنه « 2 » وإن لم يكن عبادة له فقد يقصد به تعظيمه على بعض لوجوه ، فيحصل له المزية . وهذا نحو أن يأمر النبي صلى اللّه عليه بالصلاة فنفعلها ، فيكون في فعلها له المزية والتعظيم من حيث أطعناه بفعلها ، وعظمناه بالتلقى والقبول ، فكذلك لا يمتنع مثله في آدم صلوات اللّه عليه .
29 - مسألة : قالوا : وقد ذكر تعالى بعد ذلك ما يدل على أن الهدى من اللّه تعالى ، فقال :
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ 38 ] .
هامش
( 1 ) قال ابن حزم إنه وجد بعض الأشعرية قالوا في معنى قوله عليه السلام : « إن اللّه خلق آدم على صورته » إنما هو على صفة الرحمن من الحياة والعلم والاقتدار . . . وأسجد له ملائكته كما أسجدهم لنفسه . وبعد أن رمى القائلين بذلك بالكفر ؛ لأن اللّه تعالى يقول :( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )، قال : « إنهم لم يقنعوا . . حتى جعلوا سجود الملائكة لآدم كسجودهم للّه عز وجل » ثم قال : « ولا خلاف بين أحد من أهل الاسلام في أن سجودهم للّه تعالى سجود عبادة ، ولآدم سجود تحية وإكرام ، ومن قال إن الملائكة عبدت آدم كما عبدت اللّه عز وجل فقد أشرك » . الفصل : 2 / 168 .
( 2 ) ساقطة من د .