يرده منه ، فليس لهم في الظاهر دلالة « 1 » .
بل يدل الظاهر على ما نقوله ؛ لأنه تعالى لو لم يكن قد أمره بالسجود في جملة الملائكة ، وأراده منه . لم يكن ليستثنيه من جملتهم ؛ لأنه إذا لم يكن منهم اسما فلا بد من مشاركته لهم في المعنى ، ليصح الاستثناء ، وليس ذلك إلا أنه داخل في جملتهم في أنه قد كلّف السجود ، وقد بينا أن الأمر والتكليف يقتضيان الإرادة ، وكيف يصح أن لا يريده منه ، ويذمه على امتناعه ، ويصفه بأنه استكبر وكان من الكافرين ؟ !
وقد تعلق شيوخنا المتقدمون بهذه الآية في أن العبد يفعل ويقدر على الشيء وتركه ؛ لأن العرب لا تصف الإنسان بأنه أبى الفعل إلا ويمكنه أن يفعله ويتركه ، وهذا ظاهر من حالهم « 2 » ، والممنوع الذي لا يمكنه الانفكاك مما منع منه لا يصح أن يوصف عندهم بذلك ، فإذا صح ذلك ، فالواجب أن تدل هذه الآية على أن إبليس كان قادرا على أن يسجد . وفي ذلك دلالة على تقدم القدرة ، وعلى أنها قدرة على الشيء وضده .
هامش
( 1 ) قال القاضي في قولهم إنه تعالى يريد المعاصي ، وإنه لو لم يردها لوقعت . شاءها أم أباها - وهذا من صفات المغلوبين المقهورين - قال : إن ذلك بعيد « لأن الإباء في أصل اللغة هو المنع ، فتقول : فلان أبى الضيم وأبى فلان أن يظلم ، أي : منع من ضيمه وظلمه ، وقد يستعمل في الامتناع أيضا ، فيقال : سألته فأبى ، أي امتنع ، وعلى الأول يقول تعالى :( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ )فإذا كان كذلك ، فكيف يجب في الحي إذا لم يرد شيئا أن يمنع منه أو يمتنع ؟ ! » ثم قال : « ومهما أرادوا أنه أباها ، أي : كرهها ، فالمعنى [ غير ] صحيح ، لأنه لا يقال : أبى فلان كذا ، بمعنى كرهه ، ولولا ذلك لصح أن يقال في الضعيف إنه يأبى الظلم ، لأنه كالقوى في كراهة أن يظلم »
انظر : المحيط بالتكليف ، للقاضي عبد الجبار ، نشر عمر السيد عزمي ، ص 303 - 304 .
( 2 ) ف : أحوالهم .