تخطي إلى المحتوى الرئيسي

متشابه القرآن — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
اسم الشيء على ما هو جزاء له ، كما يجرى اسم الجزاء على الفعل ، ولذلك قالوا : الجزاء بالجزاء « 1 » ولذلك قال عز وجل :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
« 2 » وإن كان ما يفعله تعالى ليس سيئة ، وهذه الطريقة في مذهب العرب معروفة ، فيجب أن تحمل الآية عليها . فأما قوله :
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
فليس في ظاهر قوله
( وَيَمُدُّهُمْ
« 3 » ) أن الطغيان من فعله فيهم ، وإنما أراد أنه يمدهم في العمر نعمة منه عليهم ؛ لكي يستدركوا ما فاتهم فيتوبوا ، وهم مع ذلك يعمهون في طغيانهم ، ولا يزدادون إلا شرا ، فالذي يضاف إليه هو المدّ في العمر ، والطغيان والعمة إليهم يضاف ، على ما بيناه . ثم يقال للقوم : لو كان الطغيان من فعله تعالى ، لما صح أن يضيف العمة إليهم ، فيقول :
يَعْمَهُونَ
وهو تعالى قد « خلقه ، ولما حسن « 4 » أن يذمهم ويوبخهم على ذلك . وقوله تعالى من بعد :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
« 5 » « يدل على ما نقوله ، لأنه لا يوصف الإنسان بذلك إلا إذا اختار الضلالة على الهدى « 6 » ، فلو كان ذلك من فعل غيره ، لم يصح أن يكون مشتريا لأحدهما بالآخر ، فكيف يصح أن يصفهم تعالى ، بقوله :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
وهو الذي اضطرهم إلى الضلالة ؟ وكيف يضرب لهم الأمثال ، وهو الذي خلق فيهم الضلال ؟ !
هامش
( 1 ) انظر في الشواهد على ذلك مع المزيد من وجوه التأويل للآية فيما شملته من أمرى الاستهزاء بالمنافقين ومدهم في طغيانهم : أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) طبع البابي الحلبي 1373 ه ، ج 2 ، ص : 144 - 150 . ( 2 ) من الآية 40 من سورة الشورى . ( 3 ) د : يعمهون . ( 4 ) ف : خلق ولم يحسن . ( 5 ) الآية 16 ، وتتمتها :فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ( 6 ) ساقط من د .
متشابه القرآن — صفحة 57 | القاضي عبد الجبار الهمذاني / عدنان محمد زرزور