تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
ومنها : أنّه سمى ترك الندب ذنبا ، وحسن ذلك ؛ لأنّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم ممّن لا يخالف الأوامر إلّا هذا الضرب من الخلاف ولعظم منزلته وقدره جاز أن يسمّي بالذنب منه ما إذا وقع من غيره لم يسمّ ذنبا . وهذا الوجه يضعّفه - على بعد هذه التسمية - أنّه لا يكون معنى لقوله : « انّني أغفر ذنبك » ولا وجه في معنى الغفران يليق بالعدول عن الندب . ومنها : أنّ القول خرج مخرج التعظيم ، وحسن الخطاب ، كما قلناه في قوله تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
« 1 » ، وهذا ليس بشيء ؛ لأنّ العادة قد جرت فيما يخرج هذا المخرج من الألفاظ أن يجري مجرى الدعاء ، مثل قولهم : « غفر اللّه لك » ، « وليغفر اللّه لك » وما أشبه ذلك . ولفظ الآية بخلاف هذا ؛ لأنّ المغفرة جرت فيها مجرى الجزاء والغرض في الفتح . وقد كنّا ذكرنا في هذه الآية وجها اخترناه وهو أشبه بالظاهر ممّا تقدّم ، وهو أن يكون المراد بقوله :
ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ
الذنوب إليك ؛ لأنّ الذنب مصدر والمصدر يجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول معا ، ألا ترى أنّهم يقولون : « أعجبني ضرب زيد عمرا » إذا أضافوه إلى الفاعل ، « وأعجبني ضرب زيد عمرا » إذا أضافوه إلى المفعول ؟ ومعنى المغفرة على هذا التأويل هي الإزالة والفسخ والنسخ لأحكام أعدائه من المشركين عليه ، وذنوبهم إليه في منعهم إياه عن مكّة وصدّهم له عن المسجد الحرام . وهذا التأويل يطابق ظاهر الكلام حتى تكون المغفرة غرضا في الفتح ووجها له ، وإلّا فإذا أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ( 1 ) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
معنى معقول ؛ لأنّ المغفرة للذنوب لا تعلّق لها بالفتح ، وليست غرضا فيه . وأمّا قوله تعالى :
ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
، فلا يمتنع أن يريد به ما تقدّم زمانه من فعلهم القبيح لك ولقومك وما تأخّر .
هامش
( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 43 ، تقدّم تفسيره .