تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
أي فهمت من عبرته وحمحمته التألم والشكوى ، فأين نظير ذلك في الهدهد . قلنا : مثل هذا قائم في الحكاية عن الهدهد ؛ لأنّ سليمان عليه السّلام لمّا رأى أنّ الهدهد إنّما ورد إليه من مدينة سبأ حكي عنه ما لو كان قائلا لقاله من أحوالها وصفة ملكها ، ومعلوم أنّ الأمر كذلك ؛ لأنّ الهدهد لو كان قائلا لقال - وقد عاين ذلك الملك - : « إنّني علمت ما لم تعلم وأنّي وجدت امرأة تملكهم ولها عرش عظيم » « 1 » والعرش هاهنا هو الملك أو الكرسي الذي حكيناه . وقد جاء في القرآن وأخبار النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم لذلك نظائر كثيرة ، فمن ذلك قوله تعالى حكاية عن السماء والأرض :
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
« 2 » والمعنى لو كانتا ممّا يقولان لقالتا . وقوله جلّ اسمه :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
« 3 » أنّها لو كنّ يشفقن ويأبين لأبين ويشفقن . وقوله : « لو كتبت القرآن في أهاب ثم ألقي في النار لما احترق » « 4 » وعلى هذا معناه وتقديره : لو كانت النار لا تحرق شيئا لجلالته وعظيم قدره لكانت لا تحرقه . ولا يجعل على هذا الوجه سليمان عليه السّلام مستفيدا من الهدهد خبر سبأ ، بل كان سليمان عليه السّلام بذلك عالما قبل حضور الهدهد ، فلمّا حضر الهدهد بعد غيبته وعلم أنّه من تلك البلدة ورد ، أضاف إليه من القول والخبر ما لو كان مخبرا لقاله ، كما قيل في الحوض والجبل . فإن قيل : ألّا جوزتم أن يكون اللّه تعالى فعل في الهدهد كلاما هذه صفته ، وكذلك في النملة .
هامش
( 1 ) النمل : 23 والآية كذا :إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ. ( 2 ) سورة فصلت ، الآية : 11 . ( 3 ) سورة الأحزاب ، الآية : 72 . ( 4 ) النهاية لابن الأثير 1 / 83 .
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 186 | الشريف المرتضى / السيد مجتبى أحمد الموسوي