تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
غيرهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم ، وكانوا في مشاهدة ذلك ومعرفته وظهوره فيهم على الوجه الذي أراده اللّه تعالى ، وتعذّر امتناعهم منه ، وانفكاكهم من دلالته بمنزلة المقرّ المعترف ؛ وإن لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة ؛ ويجري ذلك مجرى قوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
« 1 » ، وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة ، ولا منهما جواب ، ومثله قوله تعالى :
شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ
« 2 » . ونحن نعلم أنّ الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم ؛ وإنّما لمّا ظهر منهم ظهورا لا يتمكّنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به ؛ ومثل هذا قولهم : جوارحي تشهد بنعمتك ، وحالي معترفة بإحسانك . وما روي عن بعض الخطباء من قوله : سل الأرض : من شقّ أنهارك ، وغرس أشجارك ، وجنى ثمارك ؟ فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا « 3 » . وللعرب في هذا المعنى من الكلام المنثور والمنظوم ما لا يحصى كثرة ، ومنه قول الشاعر :
إمتلأ الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني
ومعنى ذلك : انّني ملأته حتّى أنّه ممّن يقول : حسبي قد اكتفت ، فجعل ما لو كان قائلا لنطق ، كأنّه قال : ونطق به « 4 » . [ فإن قيل : ] ما تقول في الأخبار التي رويت من جهة المخالف والموافق في الذرّ ، وابتداء الخلق على ما تضمّن تلك الأخبار ، هل هي صحيحة أم لا ؟ وهل لها مخرج من التأويل يطابق الحقّ ؟ الجواب : إنّ الأدلّة القاطعة إذ دلّت على أمر وجب إثباته والقطع عليه ، وأن لا يرجع عنه بخبر محتمل ، ولا بقول معترض للتأويل ، وتحمل الأخبار الواردة بخلاف ذلك على ما يوافق تلك الدلالة ويطابقه ، وإن رجعنا بذلك عن ظواهرها ،
هامش
( 1 ) سورة فصلت ، الآية : 11 . ( 2 ) سورة التوبة ، الآية : 17 . ( 3 ) الأمالي ، 1 : 54 . ( 4 ) الرسائل ج 1 ص 115 و 114 .