تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
-
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
( 173 ) [ الأعراف : 172 - 173 ] . وقد ظن بعض من لا بصيرة له ، ولا فطنة عنده أنّ تأويل هذه الآية أنّ اللّه تعالى استخرج من ظهر آدم عليه السّلام جميع ذريته ، وهم في خلق الذّرّ ، فقرّرهم بمعرفته ، وأشهدهم على أنفسهم . وهذا التأويل - مع أنّ العقل يبطله ويحيله - ممّا يشهد ظاهر القرآن بخلافه ؛ لأنّ اللّه تعالى قال :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ
، ولم يقل : من آدم ، وقال :
مِنْ ظُهُورِهِمْ
، ولم يقل : من ظهره ، وقال :
ذُرِّيَّتَهُمْ
، ولم يقل : ذرّيته ؛ ثمّ أخبر تعالى بأنّه فعل ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة : إنّهم كانوا عن ذلك غافلين ، أو يعتذروا بشرك آبائهم ، وأنّهم نشؤوا على دينهم وسنّتهم ؛ وهذا يقتضي أنّ الآية لم تتناول ولد آدم عليه السّلام لصلبه ، وأنّها إنّما تناولت من كان له آباء مشركون ؛ وهذا يدلّ على اختصاصها ببعض ذريّة بني آدم ؛ فهذه شهادة الظّاهر ببطلان تأويلهم ، فأمّا شهادة العقول فمن حيث لا تخلو هذه الذّرّية التي استخرجت من ظهر آدم عليه السّلام فخوطبت وقرّرت من أن تكون كاملة العقول ، مستوفية لشروط التكليف ، أو لا تكون كذلك ؛ فإن كانت بالصّفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وإنشائهم ، وإكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال ، وما قرّروا به ، واستشهدوا عليه ؛ لأنّ العاقل لا ينسي ما يجري هذا المجرى ، وإن بعد العهد وطال الزمان ؛ ولهذا لا يجوز أن يتصرّف أحدنا في بلد من البلدان وهو عاقل كامل فينسي مع بعد العهد جميع تصرّفه المتقدّم وسائر أحواله . وليس أيضا لتخلّل الموت بين الحالين تأثير ؛ لأنّه لو كان تخلّل الموت يزيل الذكر لكان تخلّل النوم والسّكر والجنون والإغماء من أحوال العقلاء يزيل ذكرهم لما مضي من أحوالهم ؛ لأنّ سائر ما عددناه ممّا ينفي العلوم يجري