ولابن عباس في رحلة الشتاء والصيف قول ثالث : أنهم كانوا يشتون بمكة لدفئها ، ويصيفون بالطائف لهوائها ، كما قال الشاعر « 484 » :
تشتي بمكة نعمة * ومصيفها بالطائف
وهذه من جلائل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف ، فذكرهم اللّه تعالى هذه النعمة .
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
أمرهم اللّه تعالى بعبادته ، وفي تعريف نفسه لهم بأنه رب هذا البيت وجهان :
أحدهما : لأنه كانت لهم أوثان ، فميز نفسه عنها .
الثاني : أنهم بالبيت شرفوا على سائر العرب ، فذكر لهم ذلك تذكيرا بنعمته .
وفي معنى هذا الأمر والضمير في دخول الفاء على قوله
« فَلْيَعْبُدُوا »
أربعة أوجه :
أحدها : فليعبدوا رب هذا البيت بأنه أنعم عليهم برحلة الشتاء والصيف .
الثاني : فليألفوا عبادة رب هذا البيت كما ألفوا رحلة الشتاء والصيف .
الثالث : فليعبدوا رب هذا البيت لأنه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف .
الرابع : فليتركوا رحلة الشتاء والصيف بعبادة رب هذا البيت ، فإنه يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف ليتوفروا بالمقام على نصرة رسوله والذب عن دينه .
الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ
فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أطعمهم من جوع بما أعطاهم من الأموال وساق إليهم من الأرزاق ، قاله ابن عيسى .
الثاني : أطعمهم من جوع بما استجاب فيهم دعوة إبراهيم عليه السّلام . حين قال :
وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ
، قاله ابن عباس .
الثالث : أن جوعا أصابهم في الجاهلية ، فألقى اللّه في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاما ، فحملوه ، فخافت قريش منهم وظنوا أنهم قدموا لحربهم ، فخرجوا إليهم متحرزين ، فإذا هم قد جلبوا إليهم الطعام وأعانوهم بالأقوات ، فهو معنى قوله
الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ
.
هامش
( 484 ) روح المعاني ( 30 / 240 ) .