إشراف عليه ، أو طمع إدراك في حال رؤيته ، أو جواز إحاطة في العلم به . . . فليس إلا قالة بلسان مستنطق ، وحالة بشهود حقّ مستغرق « 1 » :
وقلن لنا : نحن الأهلّة إنما * نضىء لمن يسرى بليل ولا نقرى « 2 »
قوله جل ذكره :
[ سورة الجمعة ( 62 ) : آية 2 ]
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 2 )
جرّده عن كلّ تكلّف لتعلّم ، وعن الاتصاف بتطلّب « 3 » . . ثم بعثه فيهم وأظهر عليه من الأوصاف ما فاق الجميع .
فكما أيتمه في الابتداء عن أبيه وأمّه ، ثم آواه بلطفه - وكان ذلك أبلغ وأتمّ - فإنه كذلك أفرده عن تكلّفه العلم - ولكن قال :
« وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ »
« 4 » .
وقال :
« ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً »
« 5 » ألبسه لباس العزّة ، وتوّجه بتاج الكرامة ، وخلع عليه حسن التولّى . . . لتكون آثار البشرية عنه مندرجة « 6 » ، وأنوار الحقائق عليه لائحة .
[ سورة الجمعة ( 62 ) : آية 3 ]
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 3 )
هامش
( 1 ) هذه الفقرة التي كتبها القشيري عن ( القدوس ) على جانب كبير من الأهمية ؛ إذ هي توضح : أن الصوفي مهما ارتفع في معراجه الروحي لا يستشرف من ( الذات ) فقد جلّت الصمدية عن ذلك ، وإنما هو يتحقق من شهود ( الفعل ) . . ولا شكّ أن أهل السنة المتشددين سيجدون في هذا النصّ ما يعطفهم نحو التصوف وأهله .
( 2 ) أي ولا نستضيف . . . والمقصود أن السالكين طريق اللّه دائما على الدرب سائرون وأن الحق سبحانه لا وقوف على كنهه .
( 3 ) حتى ينتفى عنه سوء الظن في تعلّمه شيئا من الكتب السابقة ، وأن ما يدعو إليه ثمرة قراءته .
( 4 ) آية 113 سورة النساء .
( 5 ) آية 52 سورة الشورى .
( 6 ) هي هكذا في ص وفي م مشتبهة ، والمقصود لتنطوى عنه آثار البشرية - لا البشرية نفسها - وتلوح عليه أنوار الحقائق .