سخّر اللّه لسليمان - عليه السلام - الجنّ والطير ، فكان الجنّ مكلّفين ، والطير كانت مسخّرة إلا أنه كان عليها شرع ، وكذلك الحيوانات التي كانت في وقته ، حتى النمل كان سليمان يعرف . خطابهم وينفذ عليهم حكمه .
قوله جل ذكره :
[ سورة النمل ( 27 ) : آية 18 ]
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 )
قيل إن سليمان استحضر أمير النمل الذي قال لقومه :
« ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ »
وقال له :
أما علمت أنّى معصوم ، وأنّى لن أمكّن عسكرى من أن يطئوكم ؟ فأخبره أمير النمل أنّه لا يعلم ذلك ؛ لأنه ليس بواجب أن يكون النمل عالما بعصمة سليمان . ولو قال : لعلكم أبيح لكم ذلك . . لكان هذا أيضا جائزا .
وقيل إن ذلك النمل قال لسليمان : إني أحمل قومي على الزهد في الدنيا ، وخشيت إن يروكم في ملككم أن يرغبوا فيها « 1 » ، فأمرتهم بدخول مساكنهم لئلا يتشوّش عليهم زهدهم .
ولئن صحّ هذا ففيه دليل على وجوب سياسة الكبار لمن هو في رعيتهم . وفي الآية دليل على حسن الاحتراز ممّا يخشى وقوعه ، وأنّ ذلك مما تقتضيه عادة النّفس وما فطروا عليه من التمييز .
ويقال إن ذلك النمل قال لسليمان : ما الذي أعطاك اللّه من الكرامة ؟ .
فقال : سخّر لي الريح .
فقال : أما علمت أنّ الإشارة فيه أنه ليس بيدك مما أعطيت إلا الريح ؟ « 2 » .
وهكذا بيّنه الكبير على لسان الصغير ! .
قوله جلّ ذكره :
[ سورة النمل ( 27 ) : آية 19 ]
فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 )
.
هامش
( 1 ) الضمير في ( فيها ) يعود على الدنيا .
( 2 ) أي أنه عطاء زائل لا مكث له ولا قرار .