من رضى بالحظ الخسيس من عاجل الدنيا بقي عن نفيس الآخرة ، ثم لا يحظى إلا بقدر ما اشتمّه ، ثم يكون آنس ما به قلبا وأشدّ ما يكون به سكونا . . ثم يختطف عن نعمته ، ولا يخصه بشئ مما جمع من كرائمه ، ويمنعه من قربه في الآخرة . . ولقد قيل :
يا غافلا عن سماع الصوت * إن لم تبادر فهو الفوت
من لم تزل نعمته عاجلا * أزاله عن نعمته الموت
قوله جل ذكره :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 19 ]
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 )
علامة من أراد الآخرة - على الحقيقة - أن يسعى لها سعيها ؛ فإرادة الآخرة إذا تجرّدت عن العمل لها كانت مجرد إرادة ، ولا يكون السعي مشكورا . قوله :
« وَهُوَ مُؤْمِنٌ »
: أي في المآل كما أنه مؤمن في الحال . ويقال وهو مؤمن أنّ نجاته بفضله لا بسببه .
« فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً »
أي مقبولا ، ومع القبول يكون التضعيف والتكثير ؛ فكما أن الصدقة يربيها كذلك طاعة العبد يكثّرها وينّميها .
قوله جل ذكره :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 20 ]
كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 )
يجازى كلا بقدرة ؛ فلقوم نحاة ولقوم درجات ، ولقوم سلامة ولقوم كرامة ، ولقوم مثوبته ، ولقوم قربته .
قوله جل ذكره
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 21 ]
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( 21 )
التفضيل على أقسام ، فالعبّاد فضّل بعضهم على بعض ولكن في زكاء أعمالهم ، والعارفون فضّل بعضهم على بعض ولكن في صفاء أحوالهم ، وزكاء الأعمال بالإخلاص ، وصفاء الأحوال