شهد إحسانه فشكره . . كذلك من شهد النعمة شكر ، ومن شهد المنعم حمده « 1 » وذكر حديث السجن - دون البئر - لطول مدة السجن وقلة مدة البئر .
وقيل لأن فيه تذكيرا بجرم الإخوة وكانوا يخجلون . وقيل لأن
« السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ »
. وقيل لأنه كان في البئر مرفوقا به والمبتدئ يرفق به وفي السجن فقد ذلك الرّفق لقوة حاله ؛ فالضعيف مرفوق به والقوىّ مشدّد عليه في الحال ، وفي معناه أنشدوا :
وأسررتنى حتى إذا ما سببتني * بقول يحل العصم سهل الأباطح
تجافيت عنّي حين لا لي حيلة * وغادرت ما غادرت بين الجوانح
وفي قوله :
« وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ »
إشارة إلى أنه كما سرّ برؤية أبويه سرّ بإخوته - وإن كانوا أهل الجفاء ، لأنّ الأخوّة سبقت الجفوة « 2 » .
قوله :
« مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي »
أظهر لهم أمرهم بما يشبه العذر ، فقال كان الذي جرى منهم من نزغات الشيطان ، ثم لم يرض بهذا حتى قال :
« بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي »
.
يعنى إن وجد الشيطان سبيلا إليهم ، فقد وجد أيضا إلىّ حيث قال :
« بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي »
.
ثم نطق عن عين التوحيد فقال :
« إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ »
فبلطفه عصمهم حتى لم يقتلوني .
قوله جل ذكره :
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 101 ]
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 101 )
من حرف تبعيض ؛ لأن الملك - بالكمال - للّه وحده .
ويقال الملك الذي أشار إليه قسمان : ملكه في الظاهر من حيث الولاية ، وملك على نفسه حتى لم يعمل ما همّ به من الزّلّة .
هامش
( 1 ) أي إن ( الحمد ) أعلى درجة من ( الشكر ) . . وهكذا تثرى البعوث الصوفية اللغة .
( 2 ) ربما يرمى القشيري من بعيد إلى أن يشير إلى أن الحق - سبحانه - يتفضل بكرمه على عباده - حتى ولو كانت منهم جفوة - لأنهم عباده أولا . . وإلى هذا يشير في موضع آخر من كتابه :
« عبدي . . إن لم تكن لي . فأنا لك »