من ظنّ أنه يقنع منه بالدعوى - دون التحقق بالمعنى - فهو على غلط في حسبانه .
والذي طالبهم به من حيث الأمر صدق المجاهدة في اللّه ، وترك الركون إلى غير اللّه ، والتباعد عن مساكنة أعداء اللّه . . ثقة باللّه ، واكتفاء باللّه ، وتبرّيا من غير اللّه .
وهذا الذي أمرهم به ألا يتخذوا من دون المؤمنين وليجة فالمعنى فيه : ألا يفشوا في الكفار أسرار المؤمنين .
وأول من يهجره المسلم - لئلا تطّلع على الأسرار - نفسه التي هي أعدى عدوّه ، وفي هذا المعنى قال قائلهم :
كتابي إليكم بعد موتى بليلة * ولم أدر أنّى بعد موتى أكتب
ويقال : إن أبا يزيد « 1 » - فيما أخبر عنه - أنه قال للحقّ في بعض أوقات مكاشفاته :
كيف أطلبك ؟ فقال له : فارق نفسك .
ويقال إن ذلك لا يتمّ ، بل لا تحصل منه شظيّة إلا بكىّ عروق الأطماع والمطالبات لما في الدنيا ولما في العقبى ولما في رؤية الحال والمقام - ولو بذرّة . والحرية عزيزة « 2 » . .
قال قائلهم :
أتمنى على الزمان محالا * أن ترى مقلتاى طلعة حرّ
قوله جل ذكره :
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 17 ]
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 17 )
هامش
( 1 ) هو أبو يزيد البسطامي كان جده ( سروشان ) مجوسيا وأسلم ، وهو أحد إخوة ثلاثة كانوا جميعا زهادا وأصحاب أحوال ، مات سنة 261 ، وقيل سنة 234 ( طبقات السلمى ) و ( رسالة القشيري ) .
( 2 ) ( والحرية عزيزة ) هنا معناها نادرة الوجود .