تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
وأبرح ما يكون الشوق يوما * إذا دنت الخيام من الخيام
ويقال صار موسى - عليه السّلام - عند سماع الخطاب بعين السّكر فنطق ما نطق ، والسكران لا يؤخذ بقوله ، ألا ترى أنه ليس في نص الكتاب معه عتاب بحرف ؟ ويقال أخذته عزّة السّماع فخرج لسانه « 1 » عن طاعته جريا على مقتضى ما صحبه من الأريحيّة وبسط الوصلة . ويقال جمع موسى - عليه السّلام - كلمات كثيرة يتكلم بها في تلك الحالة ؛ فإن في القصص أنه كان يتحمل في أيام الوعد كلمات الحق ، ويقول لمعارفه : ألكم حاجة إلى اللّه ؟ ألكم كلام معه ؟ فإني أريد أن أمضى إلى مناجاته . ثم إنه لما جاء وسمع الخطاب لم يذكر - مما دبّره في نفسه ، وتحمله من قومه ، وجمعه في قلبه - شيئا ولا حرفا ، بل نطق بما صار في الوقت غالبا على قلبه ، فقال : ربّ : أرني أنظر إليك ، وفي معناه أنشدوا :
فيا ليل كم من حاجة لي مهمة * إذا جئتكم ليلى فلم أدر ماهيا
ويقال أشدّ الخلق شوقا إلى الحبيب أقربهم من الحبيب ؛ هذا موسى عليه السّلام ، وكان عريق الوصلة ، واقفا في محل المناجاة ، محدقة به سجوف التولي ، غالبة عليه بواده الوجود ، ثم في عين ذلك كان يقول :
« رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »
كأنه غائب عن الحقيقة . ولكن ما ازداد القوم شربا إلا ازدادوا عطشا ، ولا ازدادوا تيما إلا ازدادوا شوقا ، لأنه لا سبيل إلى الوصلة إلا بالكمال ، والحقّ - سبحانه - يصون أسرار أصفيائه عن مداخلة الملال « 2 » . ويقال نطق موسى عليه السّلام بلسان الافتقار فقال :
« رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »
ولا أقلّ
هامش
( 1 ) تعليل القشيري لموقف الإفصاح الذي وقفه موسى يوضح كيف يلتمس هذا الباحث مبروا لشطحات الصوفية - بطريق غير مباشر ، ويعزو ذلك تارة للسكر الروحي وتارة لوقوع العبد تحت تأثير العزة الإلهية ، فيخرج اللسان عن طاعته . ( 2 ) وفي ذلك أنشدوا :فما مل ساقينا وما مل شارب * عقار لحاظ كأسه يسلب اللبا