ذلك ما يرون عليهم من غبار الرد وأمارات البعد ، وهي مما لا يخفى على ذي عينين ، فيقولون لهم : هل يغني عنكم ما ركنتم إليه من أباطيلكم ، وسكنتم إليه من فاسد ظنونكم ، وباطل تأويلكم ؟ فشاهدوا - اليوم - تخصيص الحق لمن ظننتم أنهم ضعفاؤكم ، وانظروا هل يغنى عنكم الذين زعمتم أنهم أولياؤكم وشركاؤكم ؟
قوله جل ذكره :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 50 ]
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 )
دلّت الآية على أن من أواخر ما يبقى على الإنسان الأكل والشرب ؛ فإنهم في تلك العقوبات الشديدة يقع عليهم الجوع والعطش حتى يتضرعون كلّ ذلك التضرع ؛ فيطلبون شربة ماء أو لقمة طعام وهم في غاية الآلام ، والعادة - اليوم - أن من كان في ألم شديد لا يأكل ولا يشرب ، وهذا شديد .
ثم أبصر كيف لا يسقيهم قطرة - مع استغنائه عن تعذيبهم ، وقدرته على أن يعطيهم ما يريدون ! ولكنه قهر الربوبية وعزّ الأحدية ، وأنه فعّال لما يريد . فكما لم يرزقهم - اليوم - من عرفانه ذرة ، لا يسقيهم غدا في تلك الأحوال قطرة ، وفي معناه أنشدوا :
وأقسمن لا يسقيننا - الدهر - قطرة * ولو فجّرت من أرضهن بحور
ويقال إنما يطلبون الماء ليبكوا به بعد ما نفدت دموعهم ، وفي هذا المعنى قيل :
يا نازحا نزفت دمعي قطيعته * هب لي من الدمع ما أبكى عليك به .
وفي هذا المعنى أنشدوا .
جرف البكاء دموع عينك فاستعر * عينا لغيرك دمعها مدرار