تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
إلى اللّه : وإنّ سفرة إليه بعدها نحطّ رحالنا لمقاساتها أحلى من العسل ! قوله جل ذكره :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 159 ]

فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) جرّده عن أوصاف البشرية ، وأفرده بما ألبسه من نعت الربوبية ، وأخبر أن ما يلوح إليه فمن أنوار التولي ، لا من آثار الوفاق والتبري ، ولولا أنه استخلصه بما ألبسه وإلا متى كان بتلك الصفة ؟ ! ويقال إن من خصائص رحمته - سبحانه - عليه أن قوّاه حتى صحبهم ، وصبر على تبليغ الرسالة إليهم ، وعلى ما كان يقاسيه من اختلافهم - مع سلطان ما كان مستغرقا له ولجميع أوقاته من استيلاء الحق عليه ، فلو لا قوة إلهية استأثره الحق بها وإلا متى أطاق صحبتهم ؟ ! ألا ترى إلى موسى عليه السّلام لما كان قريب العهد بسماع كلامه كيف لم يصبر على مخاطبة أخيه فأخذ برأس أخيه يجرّه إليه ؟ ويقال لولا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم شاهدهم محوا فيما كان يجرى عليهم من أحكام التصريف ، وتحقّق أن منشئها اللّه - لما أطاق صحبتهم . قوله تعالى :
« وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ »
: لو سقيتهم صرف شراب التوحيد غير ممزوج بما فيه لهم حظّ لتفرقوا عنك ، هائمين على وجوههم ، غير مطيقين للوقوف لحظة ،
« فَاعْفُ عَنْهُمْ »
فيما يكون تقصيرا منهم في حقك وتوقيرك ، وما عثرت عليه من تفريطهم في خدمتنا وطاعتنا - فانتصب لهم شفيعا إلينا . ويقال
« فَاعْفُ عَنْهُمْ »
فاعف - أنت - عنهم فإن حكمك حكمنا ، فأنت لا تعفو إلا وقد عفونا . ثم ردّه عن هذه الصفة بما أثبته في مقام العبودية ، ونقله إلى وصف التفرقة