تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
قوله :
« إِذْ تُصْعِدُونَ »
الإشارة من هذه الآية لأقوام تقع لهم فترة ، ودواعي الحق سبحانه - من أنفسهم ، ومن جميع الأقطار حتى كأنّ الأحجار من الشوارع واللّبن من الجدران - تناديه : لا تفعل يا عبد اللّه ! وهو مصرّ في ليّه ، مقيم على غيّه ، جاحد لما يعلم أنه هو الأحقّ والأولى من حاله ، فإذا قضى وطره واستوفى بهمته ، فلا محالة يمسك من إرسال عنانه ، ويقف عن ركضه في ميدانه ، فلا يحصل إلا على أنفاس متصاعدة ، وحسرات متواترة ؛ فأورثه الحقّ - سبحانه - وحشة على وحشة . حتى إذا طال في التحسّر مقامه تداركه الحق - سبحانه - بجميل لطفه ، وأقبل عليه بحسن عطفه ، وأنقذه من ضيق أسره ، ونقله إلى سعة عفوه وفضله ، وكثير من هؤلاء يصلون إلى محل الأكابر ثم يقفون باللّه للّه ( . . . . . . ) « 1 » ويقومون باللّه للّه بلا انتظار تقريب ولا ملاحظة ترحيب . قال تعالى :
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ
فأهل التحقيق والتوحيد يصلون بعد فتراتهم « 2 » إلى القول بترك أنفسهم ، وغسل أيديهم منهم ، ورفع قلوبهم عنهم فيعيشون باللّه للّه ، بلا ملاحظة طمع وطلبة ، بل على عقيدة اليأس عن كل شئ . عليه أكّدوا العهد ، وبدّلوا اللحظ « 3 » ، وتركوا كل نصيب وحظ ، وهذه صفة من أنزل عليه الأمنة . فأمّا الطائفة التي أهمتهم أنفسهم - فبقوا في وحشة نفوسهم ، ومن عاجل عقوبتهم سوء
هامش
( 1 ) مشتبهة . ( 2 ) وردت ( فطراتهم ) بالطاء والأصوب أن تكون بالتاء لأن الفترة وقت مقاساة ومعاناة فهي تتلاءم مع ( وتجرع حسراتهم ) . ( 3 ) اللحظ هنا معناها الملاحظة ، ملاحظة النفس أو ملاحظة العوض .