فنجعلكم سدى كما كنتم . قال أبو جعفر : وهذه الأقوال ، وإن كانت مختلفة الألفاظ فإنّ معانيها متقاربة فمن قال : الذّكر العذاب قدّره بمعنى ذكر العذاب وذكر العذاب إذا أنزل قرآن . ومن قال : معناه أفنذر عنكم الذّكر فنجعلكم سدى قدّره أفنترك أن ينزل عليكم الذكر الذي فيه الأمر والنهي فنجعلكم مهملين ، قال أبو جعفر : وهذا قول حسن صحيح بيّن أي أفنهملكم فلا نأمركم ولا ننهاكم ولا نعاقبكم على كفركم بعد أن ظهرت لكم البراهين لأن كنتم قوما مسرفين . وهذا على قراءة من فتح « أن » « 1 » وهي قراءة الحسن وأبي عمرو وابن كثير وعاصم ، وسائر القراء على كسر « إن » أي متى أسرفتم فعلنا بكم هذا .
[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 6 إلى 7 ]
وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ( 6 ) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 7 )
كَمْ
في موضع نصب وهي عقيبة ربّ في الخبر ، فمن العرب من يحذف « من » وينصب ، ومنهم من يخفض وإن حذف « من » كما قال : [ السريع ] 408
- كم بجود مقرف نال العلى * وكريم بخله قد وضعه
« 2 » وأفصح اللّغات إذا فصلت أن تأتي بمن ، وهي اللغة الّتي جاء بها القرآن ، وكذا كلّ ما جاء به القرآن وربما وقع الغلط من بعض أهل اللغة فيما يذكرون من فصيح الكلام .
فأما المحققون فلا يفعلون ذلك فمما ذكر بعضهم في الفصيح من الكلام من زعم أنه يقال : أضربت عن الشّيء بالألف ، وزعم أنها اللغة الفصيحة . سمعت علي بن سليمان يقول : هذا غلط والفصيح . ضربت عن الشيء ، لأن إجماع الحجة في قراءة الفرّاء
أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً
بفتح النون ، وذكر بعضهم أنّ الفصيح : عظّم اللّه أجرك ، وإجماع الحجّة في قراءة القراء
وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً
[ الطلاق : 2 ] في حروف كثيرة .
[ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 8 ]
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ( 8 )
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
( 8 )
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً
منصوب على البيان .
وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
قال قتادة :
أي عقوبة يجوز أن تكون « مثل » هاهنا بمعنى صفة أي صفتهم بأنهم أهلكوا لمّا كذّبوا ، ويجوز أن يكون مثل على بابه .
[ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 10 ]
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 10 )
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً
« 3 » « الذي » في موضع رفع على النعت للعزيز أو على إضمار مبتدأ لأنه أول آية .
هامش
( 1 ) انظر تيسير الداني 158 .
( 2 ) مرّ الشاهد رقم 45 .
( 3 ) انظر تيسير الداني 151 .