يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ
ويخرّبون على التكثير ، وقد حكى سيبويه أنّ فعّل يكون بمعنى أفعل كما قال : [ الطويل ] 471 -
ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
« 1 »
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
أي فاتعظوا واستدلّوا على صدق النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأن اللّه جلّ وعزّ ناصره لما يريكم في أعدائه وبصدق ما أخبركم به . واشتقاقه من عبر إلى كذا إذا جاز إليه ، والعبرة هي المتجاوزة من العين إلى الخدّ . قال الأصمعي : وقولهم : فلان عبر أي يفعل أفعالا يورث بها أهله العبرة وفي معنى
يا أُولِي الْأَبْصارِ
قولان :
أحدهما أنه من بصر العين ، والآخر أنه من بصر القلب . قال أبو جعفر : وهذا أولى بالصواب ، لأن الاعتبار إنما يكون بالقلب ، وهو الاتّعاظ والاستدلال بما مرّ . فقد قيل :
إن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خبّرهم بهذا أنه يكون فكان على ما وصف فيجب أن تعتبروا بهذا وغيره ، كما قال جلّ وعزّ :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
[ الفتح : 27 ] فكان كما قال ، وقال جلّ ذكره :
سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ
[ المسد : 3 ] ذلك وقال :
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً
[ البقرة : 95 ] فلم يتمنه أحد منهم ، وكذا
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ الزخرف : 87 ] فقالوا ذلك ، وكذا
وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
[ الروم : 3 ] كذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لعمّار : « تقتلك الفئة الباغية » « 2 » وقوله عليه السلام لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه يوم كتب : « من محمد رسول اللّه » فساموه محوها فاستعظم ذلك علي رضي اللّه عنه فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّك ستسام مثلها » « 3 » فكان ذلك على ما قال ، وكذلك قوله في ذي الثديّة « ومن ينجو من الخوارج » « 4 » فكان الأمر كما قال ، وكذلك قوله في كلاب الحوأب قولا محدّدا ، وكذلك قوله في فتح المدينة البيضا وفي فتح مصر ، وأوصى بأهلها خيرا فهذا كله مما يعتبر به وقال جلّ وعزّ :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
[ المائدة : 67 ] فعصمه حتّى مات على فراشه ، وقال :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
[ النور : 55 ] فاستخلف ممّن خوطب بهذا أربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضي اللّه عنهم ، وكان هذا موافقا لقوله صلّى اللّه عليه « الخلافة بعدي ثلاثون » ومما يعتبر به تمثيلاته التي لا تدفع ، منها حديث أبي رزين العقيلي أنه قال : يا رسول اللّه كيف يحيي
هامش
( 1 ) انظر الفهارس العامة .
( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه - الفتن 70 ، وأحمد في مسنده 2 / 161 ، والبيهقي في السنن الكبرى 8 / 189 ، والطبراني في المعجم الكبير 1 / 300 ، والمتقي في كنز العمال ( 23736 ) .
( 3 ) أخرجه الترمذي في سننه - المناقب 13 / 209 .
( 4 ) أخرجه ابن ماجة في سننه باب 12 الحديث ( 167 ) ، وأبو داود في سننه ، الحديث رقم ( 4763 ) .