تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعراب القرآن — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
وأما قوله تعالى :
( وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا )
« 1 » فلا يخلو « أهلكناها » من أن يكون خبرا أو صفة ؛ فالذي يقوّى الخبر قوله تعالى / :
( وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها )
« 2 » . وقوله تعالى :
( وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ )
« 3 » . فكما أن « كم » في هذه المواضع محمولة على « أهلكنا » كذلك إذا شغل عنها الفعل بالضمير ترتفع بالابتداء ، مثل زيدا ضربت ، وزيد ضربته . ومن قال : زيدا ضربته ، كان قوله تعالى :
( وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها )
« كم » في موضع النصب . فإن قلت : فما وجه دخول الفاء في قوله
( فَجاءَها بَأْسُنا )
والبأس لا يأتي المهلكين ، إنما يجيئهم البأس قبل الإهلاك ، ومن مجىء البأس يكون الإهلاك ، فإنه يكون المعنى في قوله
( أَهْلَكْناها )
قربت من الهلاك ولم تهلك بعد ، ولكن لقربها من الهلاك ودنوها وقع عليها لفظ الماضي ، لمقاربتها له وإحانته إياها . ونظير هذا قولهم : قد قامت الصلاة ، إذا كان المقيم مفردا ، وإن لم تقع التحريمة بها ، للقرب من التحريمة بها . ومنه قول رؤبة :
يا حكم الوارث عن عبد الملك * أوديت إن لم تحب حبو المعتنك « 4 »
فأوقع لفظ الماضي على الهلاك لمقاربته منه ، ومراده الآتي . ألا ترى أنك لا تقول : أتيتك إن قمت ؛ وإنما تقول : آتيك إن قمت . فمن حيث كان معناه الآتي ، قال : إن لم تحب ، ومن حيث قارب ذاك أوقع عليه لفظ
هامش
( 1 ) الأعراف : 3 . ( 2 ) القصص : 58 . ( 3 ) الإسراء : 17 . ( 4 ) اعتنك البعير : حبا في العانك فلم يقدر على السير . والعانك : الرمل إذا تعقد وارتفع . يقول : هلكت إن لم تحمل حمالتي بجهد .