تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
قوله تعالى :

[ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 6 إلى 13 ]

سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى ( 7 ) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ( 8 ) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ( 9 ) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ( 10 ) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ( 11 ) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ( 12 ) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 13 ) وقوله - عزّ وجل - :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
، أي : سنحفظ عليك ما أوحينا إليك من القرآن فلا تنسى ، وفي حفظه - عليه السلام - ما يوحى إليه دلالة رسالته ؛ لأنه لم يكن يعرف الكتابة ، ولا كان يتلو الكتب ، ثم كان يقرأ جميع ما يلقى إليه بمرة واحدة ، مع ما كان مأمورا ألا يحرك لسانه بشيء مما يوحى إليه إلى أن يقضى إليه الوحي ، ومن كانت حالته ما ذكرنا ، تعذر عليه حفظ ما يلقى إليه بمرات وإن كان ذلك لسانه ، فكيف يضبطه بمرة واحدة ؛ فكان حفظه بالمرة الواحدة نوعا من آيات نبوته . وقوله - عزّ وجل - :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
قال بعضهم « 1 » : تأويله : إلا ما شاء الله من ذلك ؛ فإنه ينسيك ما أراد أن ينسيكه . ولكن ما أرى هذا التأويل صحيحا ، وذلك أن الذي أوحي إليه آية نبوته ؛ فرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم إذا قرأ ، ثم أنسي ، فلمن طعن في رسالته أن يستقرئه تلك الآية ، ولا يتهيأ له أن يقرأها إذا كان قد أنسي ؛ فيجد في ذلك موضع الطعن عليه . وقد روي في بعض الأخبار أنه أنسي ، ولكنها من أخبار الآحاد ؛ فلا يجوز قطع الحكم بها ؛ لأن خبر الآحاد يوجب علم العمل ، ولا يوجب علم الشهادة ، وهي في موضع الشهادة هاهنا ، ولكن تأويله عندنا - والله أعلم - يخرج على أوجه ثلاثة : أحدها : أن الأنبياء - عليهم السلام - لم يكونوا آمنين على أنفسهم بالعصمة عن الزلات التي لديها يخاف زوال ما أنعموا به وإن ظهرت عصمتهم اليوم عندنا ؛ ألا ترى إلى قصة إبراهيم - عليه السلام - عند محاجة قومه قال :
أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي
[ الأنعام : 80 ] ، وقال :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
[ إبراهيم : 35 ] ، فخاف زوال ما أكرم به ، وخشي أن يبتلى بما ابتلي به أهل المعاصي حتى فزع إلى الدعاء ، وقال في قصة شعيب - عليه السلام - :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا
[ الأعراف : 89 ] ، وقال في قصة يوسف - عليه السلام - :
ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ يوسف : 76 ] ؛ فثبت أنه لم يتبين لهم حقيقة العصمة عن الوقوع في الزلات التي تزيل النعم ، فكذلك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يؤمن عما
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 567 ) .